فهرس الكتاب

الصفحة 442 من 4557

*وطليعة المشاركة في العمل العام السياسي منه ، والشورى ، والفقهي ، والدعوى ، والأدبي ، والاجتماعي. بل والقتالي - كما تجسدت في كوكبة النخبة والصفوة النسائية التي تربت في مدرسة النبوة..

بعد أن بلغ التحرير الإسلامي للمرأة هذه الآفاق.. أعادت العادات والتقاليد المرأة أو حاولت إعادتها إلى أسر وأغلال منظومة من القيم الغربية عن الروح الإسلامية.. حتى أصبحت المفاخرة والمباهاة بأعراف ترى:

* أن المرأة الكريمة لا يليق بها أن تخرج من مخدعها إلا مرتان: أولاهما: إلى مخدع الزوجية.. وثانيتهما: إلى القبر الذي تُدفن فيه !..

* فهي عورة ، لا يسترها إلا"القبر"!.

ولم أر نعمة شملت كريمًا *** كنعمة عورة سُترت بقبر !

وإذا كان الإسلام قد حفظ حياتها من الوأد المادي القتل فإن المجد والمكرمات في تلك العادات هي في موتها !

ومن غاية المجد والمكرمات *** بقاء البنين وموت البنات !

تهوى حياتي وأهوى موتها شفقا *** والموت أكرم نزّال على الحرم !

* وشوراها شؤم يجب اجتنابها.. وإذا حدثت فلمخالفتها ، وللحذر من الأخذ بها !.

والأكثر خطورة من هذه الأعراف والعادات والتقاليد ، التي سادت أوساطا ملحوظة ومؤثرة في حياتنا الاجتماعية ، إبان مرحلة التراجع الحضاري ، هي التفسيرات المغلوطة لبعض المرويات الإسلامية بحثًا عن مرجعية إسلامية وغطاء شرعي لقيم التخلف والانحطاط التي سادت عالم المرأة في ذلك التاريخ.. لقد كان الحظ الأوفر في هذا المقام للتفسير الخاطىء الذي ساد وانتشر لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه البخاري ومسلم عن نقص النساء في العقل والدين.. وهو حديث رواه الصحابي الجليل أبو سعيد الخدرى رضي الله عنه فقال:"خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فِطْر إلى المصلى فمرّ على النساء ، فقال:"

-"يا معشر النساء ، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن".

-قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله ؟.

-قال:"أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل"؟.

-قلن: بلى.

-قال:"فذلك من نقصان عقلها. أليس إذا حاضت لم تصلّ ولم تصم ؟".

-قلن: بلى.

-قال:"فذلك من نقصان دينها".

ذلكم هو الحديث الذي اتّخذَ تفسيره المغلوط ولا يزال"غطاء شرعيًّا"للعادات والتقاليد التي تنتقص من أهلية المرأة.. والذي ينطلق منه نفر من غلاة الإسلاميين فى"جهادهم"ضد إنصاف المرأة وتحريرها من أغلال التقاليد الراكدة.. وينطلق منه المتغربون وغلاة العلمانيين في دعوتهم إلى إسقاط الإسلام من حسابات تحرير المرأة ، وطلب هذا التحرير في النماذج الغربية الوافدة..

الأمر الذي يستوجب إنقاذ المرأة من هذه التفسيرات المغلوطة لهذا الحديث.. بل إنقاذ هذا الحديث الشريف من هذه التفسيرات !..

وذلك من خلال نظرات في"متن"الحديث و"مضمونه"نكثفها في عدد من النقاط:

أولاها: أن الذاكرة الضابطة لنص هذا الحديث قد أصابها ما يطرح بعض علامات الاستفهام.. ففي رواية الحديث شك من الرواة حول مناسبة قوله.. هل كان ذلك في عيد الأضحى ؟ أم في عيد الفطر؟.. وهو شك لا يمكن إغفاله عند وزن المرويات والمأثورات.

وثانيتها: أن الحديث يخاطب حالة خاصة من النساء ، ولا يشرّع شريعة دائمة ولا عامة في مطلق النساء.. فهو يتحدث عن"واقع"والحديث عن"الواقع"القابل للتغير والتطور شيء ، والتشريع"للثوابت"عبادات وقيمًا ومعاملات شيء آخر..

فعندما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم"إنا أمة أُمية ، لا نكتب ولا نحسب". رواه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود والإمام أحمد فهو يصف"واقعًا"، ولا يشرع لتأييد الجهل بالكتابة والحساب ، لأن القرآن الكريم قد بدأ بفريضة"القراءة"لكتاب الكون ولكتابات الأقلام: (اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم) (1) ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم الذي وصف"واقع"الأمية الكتابية والحسابية ، وهو الذي غير هذا الواقع ، بتحويل البدو الجهلاء الأميين إلى قراء وعلماء وفقهاء ، وذلك امتثالًا لأمر ربه ، في القرآن الكريم ، الذي علمنا أن من وظائف جعل الله سبحانه وتعالى القمر منازل أن نتعلم عدد السنين والحساب (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورًاوقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون ) (2) . فوصف"الواقع"- كما نقول الآن مثلًا:"نحن مجتمعات متخلفة"لا يعنى شرعنة هذا"الواقع"ولا تأييده ، فضلًا عن تأبيده ، بأي حال من الأحوال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت