فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 4557

لقد أعطى الله سبحانه وتعالى المؤمنين ضمانات أكيدة عند جهادهم في سبيل الله، فمنها أنه يدافع عنهم، وأنه ناصرهم ما داموا ينصرون دينه، وأنه ممكنهم الأرض ومستخلفهم فيما إذا أقاموا علم الجهاد وأعترفوا بدينهم لا بغيره، قال تعالى: إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق الا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور [الحج:38-41] ، وقد يتساءل المرء إذا كان الله قد تولى الدفاع عن المؤمنين فلماذا فرض عليهم الجهاد؟ ولماذا لم يهلك الله الكافرين كما أهلك الأمم السابقة؟ ممن كذّبوا الله ورسله وبذلك يعفي المسلمين عن تكاليف الجهاد وتبعاته؟

وللإجابة عن هذا التساؤل نقول: إن الله سبحانه وتعالى فرض علينا الجهاد بنوعيه: الدفع والطلب، لحكمة يعلمها هو سبحانه وتعالى، وقد يظهر لنا بعض تلك الحكم فمنها:

أولًا: أنه سبحانه وتعالى شرفنا وكرمنا بأن أقامنا مقام عذابه القدري فأي كرامة وتشريف أعظم من هذا.

ثانيًا: أنه سبحانه وتعالى فرض الجهاد على هذه الأمة للإبتلاء، ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعًا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون [الأنفال:37] ، ويبتلي الله عباده ليعلم الصادق في إيمانه من الكاذب والمؤمن من المنافق ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم [محمد:31] فالله قادر أن ينتصر منهم من غير قتال ولكن جعل الجهاد والدافع والمدافعة ليبلوا المؤمنين بالكافرين قال تعالى: ولو شاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض [محمد:4] ، وقال تعالى: وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين [آل عمران:141]

ثالثًا: إن من الحكم التي لأجلها فرض الله الجهاد وعلى المؤمنين أن يبين أنه لا يريد من عباده مجرد صلاة وصيام وقيام وذكر وتلاوة قرآن فقط، نعم هذه العبادات مطلوبة ولكن أن يقتصر الإنسان عليها، ثم ينكفئ على نفسه فيحشرها في زاوية من زوايا العبادة كفعل الدراويش والمتصوفة، تاركًا الأرض يعبث فيها الأعداء فلا يدفعهم ولا يجاهدهم ولا يأطرهم على الحق أطرًا ولا يقصرهم عليها قصرًا، فهذا الصنيع مما يأباه الله لعباده المؤمنين ولا يرضاه لهم أبدًا.

(والذي ندركه نحن البشر من تلك الحكمة وليظهر لعقولنا ومداركنا من تجاربنا ومعارفنا أن الله سبحانه لم يرد أن يكون جملة دعوته وحماتها من التنابلة الكسالى، الذي يجلسون في إسترخاء ثم يتنزل عليهم نصره سهلًا هينًا بلا عناء، لمجرد أنهم يقيمون الصلاة ويرتلون القرآن ويتوجهون الى الله بالدعاء، كلما مسهم الأذى ووقع عليهم الإعتداء، نعم يجب أن يقيموا الصلاة وأن يرتلوا القرآن وأن يتوجهوا الى الله بالدعاء في السراء والضراء، ولكن هذه العبادة وحدها لا تؤهلهم لحمل دعوة الله وحمايتها إنما هي الزاد الذي يتزودونه للمعركة والذخيرة التي يدخرونها للموقعة والسلام الذي يطمئنون اليه وهم يواجهون الباطل بمثل سلاحه ويزيدون عنه سلاح التقوى والإيمان والإتصال بالله) 3، إن المنهزمين نفسيًا والراكضين اللاهثين خلف السلام المزعوم مع دولة اليهود غافلون عن سنة التدافع والمدافعة، فالإنهزامية التي تملأ نفوسهم سببها الذل الذي منيوا به نتيجة تركهم الجهاد في سبيل الله وما ترك قوم الجهاد الا ذلوا، وصدق رسول الله القائل: (( اذا تبايعتم بالعينة ورضيتم بالزرع وأخذتم أذناب البقر وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه من قلوبكم حتى تراجعوا دينكم ) )4، فنحن قوم عزنا بالإسلام وبإقامة على الجهاد، شرف لنا وفخر لنا وكرامة لنا أن أقامنا الله مقام عذابه القدري ليكون هلاك الكافرين على أيدينا، فالمنهزمون نفسيًا من باتوا يخافون حتى من ظلهم، فلا مقام لهم بيننا، فإن سنة الله الجارية في هذا الكون هي الإثخان بالكافرين وإظهار العداوة لهم وبغضهم ومقاتلتهم وذلك من أوثق عرى الإيمان يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم [المائدة:54] هذه هي سنة الله الجارية في عباده ولن تجد لسنة الله تبديلًا ولن تجد لسنة الله تحويلًا [فاطر:43] .

3 -في ظلال القرآن 4:2425 - سيد قطب .

4 -أخرجه أبو داود بإسناد حسن عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت