والفضل كل الفضل هو ما اعترف به المنصفون ، وما أقر به المختصون من نبغاء العالم ومفكريه .
شهد الأنام بفضله حتى العدا
والفضل ما شهدت به الأعداء
والمسلمون الأوائل من الرعيل الأول من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان ، حين علموا طبيعة الدعوة ، ومهمة الداعية ، ومسؤولية المجاهد في سبيل الله ، وحين علموا أن الإسلام دين ودولة ، وعبادة وسياسة ، ومصحف وسيف ، ونظام حكم ، ومنهج حياة ، وحين تأصلت هذه المعاني في نفوسهم ، وعرفوا في هذا الكون مسؤوليتهم ورسالتهم ، خرجوا من محيطهم الضيق ، وبيئتهم المحدودة ، إلى أرجاء الأرض ، وآفاق الدنيا ، يمدنون الأمم ، ويكرمون الإنسان ، ويرفعون لواء التوحيد ، ويرسون في العالمين قواعد المدنية والحضارة ، وينشرون في الوجود أضواء العلم والمعرفة ، ويسطرون على جبين الزمن مبادىء الحرية والعدالة والمساواة . انطلقوا ليخرجوا الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام .
# ولم ينتقل عليه الصلاة والسلام إلى الملأ الأعلى حتى انتشر الإسلام في الجزيرة العربية ، ودخل اليمن والبحرين ، ووصل إلى تهامة ونجد .
# وفي عهد الخلفاء الراشدين أخضع المسلمون المملكتين العظيمتين: فارس والروم ، وامتد ظلهم إلى بلاد السند شرقًا ، وإلى بلاد الخزر وأرمينية ، وبلاد الروس شمالًا ، ودخلت في عدلهم بلاد الشام ومصر وبرقة وطرابلس ، وبقية إفريقية ، وذلك كله في خمس وثلاثين سنة .
# وفي عهد بني أمية استبحر ملكهم ، وامتد سلطانهم إلى أن دخلوا بلاد السند ، ومعظم بلاد الهند ، وصلوا إلى حدود الصين شرقًا ، ودخلوا بلاد الأندلس في أوروبة غربًا .
# وفي عهد بني العباس استطاع الخليفة"هارون الرشيد"أن يصور للعالم بسطة الدعوة الإسلامية الممتدة شرقًا وغربًا ، وشمالًا وجنوبًا ؛
فلم يجد غير أن يخاطب السحابة التي تمر به ولا تمطره ، فيقول لها بلسان المطمئن: (أمطري حيث شئت فإن خراجك سيحمل إلينا) !!
أما ما تركته الدعوة من أثر في بناء الحضارة الإنسانية:
فإن التاريخ يشهد ، والمنصفين من فلاسفة الغرب يشهدون أن المسلمين على اختلاف أجناسهم وبيئاتهم ، وتباين لغاتهم وألوانهم في العصور الإسلامية الزاهية خلفوا في العالم آثارًا حضارية شاملة خالدة ، مازالت الأجيال الإنسانية في كل زمان ومكان تنهل من معينها ، وترتشف من سلسبيلها !!
والمؤرخون مجمعون على انتقال الحضارة الإسلامية إلى الغرب كان عن طريق المعابر التالية:
أ-معبر الأندلس .
ب-معبر صقلية .
ج-معبر الحروب الصليبية .
د-معبر مدارس الترجمة في شمال إسبانيا ، وفرنسا ، وإيطاليا .
ه-معبر تجار المسلمين والدعاة الذين نشروا الإسلام في كثير من البلدان الأوربية ، والأفريقية ، والآسيوية ، وغيرها .
ولا شك أن الأندلس هي المعبر الرئيسي لحضارة الإسلام في شتى المجالات العلمية والفنية والأدبية .
وبقيت أوروبة -بعد عبور الحضارة الإسلامية إليها- قرونًا طويلة ترتشف من معين الحضارة الإسلامية ، وتنهل من سلسبيل علومها ومعارفها ؛ حتى استطاعت في أمد قصير أن تصل إلى قمة الحضارة المادية ، وأن تصعد إلى ذرى العلوم الكونية في العصر الحديث .
ويشهد على هذا كبار الغربيين المختصين في علم الطب ، والكيمياء ، والطبيعيات ، والرياضيات والفلسفة ، وسائر العلوم الأخرى:
# كتاب"شمس العرب تسطع على الغرب"للدكتورة"زيغريد هونكة"إقرار صريح بالقفزة الحضارية الكبرى التي قفزتها أوروبة نتيجة التأثر بالحضارة الإسلامية وعلومها في شتى المجالات .
وقال"دويبر"المدرس في جامعة"نيويورك"في كتابه"المنازعة بين العلم والدين": (ولما آلت الخلافة إلى المأمون سنة(813) م ، صارت بغداد العاصمة العلمية العظمى في الأرض ؛ فجمع الخليفة إليها كتبًا لاتحصى ، وقرب إليه العلماء ، وبالغ في الحفاوة بهم . وقد كانت جامعات المسلمين مفتوحة للطلبة الأوربيين الذين نزحوا إليها من بلادهم لطلب العلم ، وكان ملوك أوروبة وأمراؤها يغدون على بلاد المسلمين ليعالجوا فيها ..) .
# وقال"سيديلوت"في كتابه"تاريخ العرب": (كان المسلمون في القرون الوسطى متفردين في العلم والفلسفة والفنون ، وقد نشروها أينما حلت أقدامهم ؛ وتسربت عنهم إلى أوروبة ، فكانوا سببًا لنهضتها وارتقائها ..) .
وقال"شريستي"في حديثه عن الفن الإسلامي: (ظلت أوروبة نحو ألف عام تنظر إلى الفن الإسلامي كأنه أعجوبة من الأعاجيب) .
# وقال"بريفولت"في كتابه"تكوين الإنسانية": (العلم هو أعظم ما قدمت الحضارة الإسلامية إلى العالم الحديث ، ومع أنه لا توجد ناحية واحدة من نواحي النمو الأوروبي إلا ويلحظ فيها أثر الثقافة الإسلامية النافذ … وهذه الحقائق مؤداها أن الإسلام بناء حضاري ..) .