ويواصل بطلر دفاعه قائلًا: أما المكتبة الوليدة التى قامت في السيرابيوم فإنها كانت في حجرات متصلة ببناء معبد السيرابيوم وقد أحرق هذا المعبد في عهد تيودوسيوس عام 391 م على يد المسيحيين الذين كان يقودهم رئيسهم تيوفيلوس.
-أكَّدَ جيبون في كتابه"إضمحلال وسقوط الإمبراطورية الرومانية"الجزء التاسع (صفحة 275 ) : أن المكتبة قد أُحرِقَت عام 387 - 395 م في عهد تيودوسيوس.
وقد يدل على صدق هذه الأقوال أن أحد الرحالة الرومان واسمه أورازيوس قد زار مصر في أوائل القرن الخامس الميلادى وكتب عنها سنة 416 م وذكر أنه لم يجد سوى رفوف خالية من الكتب في هذه المكتبة.
ذكر جرجى زيدان في جزئه الثالث من كتابه التمدن الإسلامى (صفحة 42 - 43) نقلًا عن أبى الفرج الملطى (النصرانى) - وهذا مانقله المقريزى عنه بالحرف - أن يوحنا النحوى صرَّح أن المكتبة كان بها على عهد بطولماوس فيلادلفوس أكثر من 120 50 كتابًا وأن هذه الكتب تم احراقها في ستة أشهر بعد أن وزعت على أربعة آلاف حمام.
-ويعترض فريق من المؤرخين على رواية أبى الفرج لأسباب كثيرة لا يقرها العقل:
1-مات يوحنا النحوى قبل فتح العرب لمصر بحوالى 30 أو 40 سنة.
2-كيف يعمل عمرو بن العاص على إحراق الكتب ثم يسلمها إلى الحمَّامات التى يقوم على خدمتها نصارى مصر - مع العلم بوجود كتب ومقتنيات نفيسة في هذه المكتبة؟
3-ألم يكن في استطاعة أصحاب الحمامات أن يبيعونها ويتربحوا منها؟
4-ألم يكن في استطاعة أحد الأثرياء من أمثال يوحنا النحوى أن يشتروها؟
5-كانت الكتب تصنع من ورق الكاغد الذى لا يصلح لإيقاد النار.
6-من المعروف أن المسلمين كانوا يعملون على نشر العلم منذ غزوة بدر، ولذلك كانوا يطلقون سراح الأسير إذا قام بتعليم عشرة من المسلمين.
7-المدقق في الحديث المنسوب ليوحنا النحوى لعمرو بن العاص حيث ذكر أن هذه الكتب نفيسة ولا تُقدَّر بمال. وما كان لعمرو بن العاص أن يحرقها لأنها مال يخص أقباط مصر ، والعهد الذى أخذه عمرو على نفسه يقتضى حماية الأقباط وأموالهم.
8-دفع عمرو بن العاص للمصريين في الوجه القبلى ثمن ما أتلفه الرومان في هجومهم الثانى على مصر بسبب خطته التى كانت ترمى إلى سحب القوات الرومانية بعيدًا عن الأسكندرية. فيستبعد أن يكون قد أتلف ممتلكاتهم وأموالهم إبرارًا بعهده معهم.
9-رأى الرسول عليه الصلاة والسلام مع عمر بن الخطاب رقوقا من الكتاب المقدس ولم يأمره بحرقه أو التخلص منه. كذلك سأل الرسول عليه الصلاة والسلام اليهود عن قول التوراة في الزناة وقرأوا عليه من الكتاب الذى بأيديهم ، ولم يأمر أحدًا بنزعه منهم أو حرقه.
10-على الرغم من أن الكتاب المقدس به بعض النصوص التى يراها المسلم شركًا بينًا أو كفرًا صريحًا أو قذفًا لا مراء فيه في حق الأنبياء ، وعلى الرغم أن البعض قد يفهم النصوص التى تشير إلى زنا الأب ببناته ، أو زنا الحمى بكنته، إلا أنه لم يقم أحد من المسلمين بحرق نسخة واحدة من الكتاب المقدس ولا توجد نصوص في القرآن أو السنة تحض على ذلك.
11-أنشأ المأمون عام 830 م في بغداد"بيت الحكمة"وهو عبارة عن مكتبة عامة ودار علم ومكتب ترجمة، ويُعد بيت الحكمة أعظم صرح ثقافى نشأ بعد مكتبة الأسكندرية. فيستبعد على مسلم أُمِرَ بالعلم والقراءة والبحث والتدبر أن يحرق كتابًا للعلم.
12-قيام الكثيرين من العرب بدراسة اللغات الأجنبية وترجمة كتب بعض مشاهير العلوم في العصر الأغريقى، وإرسال العلماء العرب (على نفقاتهم الخاصة) التجار إلى بلاد الهند وبيزنطة للبحث عن كتب العلم وشرائها .
أنقل بعضًا منهم من كتاب"شمس العرب [أصل الترجمة شمس الله] تسطع على الغرب"للكاتبة زيجريد هونكه مثل:
1)كان العلماء المسلمين حريصين على اقتناء كتب العلم اليونانية و الرومانية ودراسة ما فيها. ومن أمثال ذلك رجل العلم العظيم موسى بن شاكر وأولاده الثلاث محمد وأحمد وحسن في عصر الخليفة المأمون. وقد برعوا في علم الفلك ودراسة طبقات الجو والرياضة. وكانوا يرسلون أتباعهم إلى بلاد البيزنطيين على نفقاتهم لشراء الكتب وترجمتها والاستفادة من علومهم. ولو كان في الإسلام نص ينهى عن ذلك لما اقترفوا إثم البحث عن العلم وترجمة الكتب وتعليم الغرب.
2)حرص العلماء أمثال الخوارزمى على اقتناء كتب العلم الهندية وغيرها. فقد كان على علم بكتب بطلميوس عن جداول الحساب والجبر وهو من قام بتصحيحها.