فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 4557

وللتأكيد على الرسائل التي تحملها السورة:

1.أن الصراع بين الحق والباطل دائم ولن يتوقف.

2 أن الباطل منهزم لا محالة.

3 أن السبب الأساسي لهزيمة الباطل هو البعد عن الله والفساد بأشكاله المختلفة (الأخلاقي أو الاقتصادي أو الاجتماعي) .

تذكر لنا السورة قصصًا لخمسة أنبياء من أنبياء الله ومواجهتهم لأقوامهم. والملاحظ أن هذه القصص قد ذكرت مرات عدة في القرآن، فما الذي يميّزها هنا؟ إنها تخدم هدف السورة في حسم الموقف من الصراع، من خلال:

-إظهار أن عناصر المواجهة بين كل الأنبياء وأقوامهم هي تقريبًا نفسها (مع نفس الكلمات أحيانًا) ، وكل هذا لإثبات قدم الصراع وتكراره مع تغيّر الأشخاص والأمم.

فكانت دعوة الأنبياء كلها واحدة ]يَاقَوْمِ اعْبُدُواْ الله مَا لَكُم مّنْ اله غَيْرُهُ[ (59) .

] أُبَلّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبّى... [ (68) وحتى الحجج ] أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مّن رَّبّكُمْ...[ (69) .

-انتهاء إلى تكذيب الكفار ] إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ [ (60) ، ] إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ[ (66) .

-التركيز على نهاية الباطل، تحت قاعدة"الجزاء من جنس العمل".

فقوم ثمود، مثلًا، كانوا ينحتون من الجبال بيوتًا آمنين، فدعاهم أمنهم إلى الاستكبار على دين الله، فكان عقابهم الرجفة (والتي يرافقها الخوف، لأن الخوف ضد الأمن) . هذه القاعدة تنطبق أيضًا على قوم لوط الذين أسرفوا في الشهوة الجنسية مما أدى بهم إلى مخالفة الفطرة الإنسانية والشذوذ، وسبب ذلك الإسراف، كما بينت الآية ] إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرّجَالَ شَهْوَةً مّن دُونِ النّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ[ (81) ، لذلك كان جزاؤهم مطرًا من الحجارة.

-التنبيه إلى أن سبب هزيمة الباطل إنما هو الفساد:

ففي ثمود - قوم صالح - كان فساد الترف الزائد هو الذي أهلكهم (الآية 74)

أما قوم لوط، فكان فسادهم الأخلاقي وشذوذهم الجنسي سببًا لإهلاكهم الآيات (80 - 81) .

وأما مدين - قوم شعيب - فكان الفساد الاقتصادي هو المستشري فيهم:

] فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ...[ (85) .

-التحذير من الاستكبار، لأنه من أخطر أسباب الهلاك:

فعبارة { قَالَ الْمَلاَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ... } (74) نراها تتكرر مع ثمود ومدين، كما نرى في أوائل السورة التركيز على عبارات { إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا... } الآيات (36 و40) .

ولا يمكن أن تتكرر عبارة بحذافيرها في القرآن من دون أن يكون هناك معنى مهم جدًا ينبهنا إليه ربنا سبحانه.

-التركيز على نجاة النبي والذين آمنوا معه وهلاك الكافرين،

بدون أي ذكر لأي فئة متفرجة أو محايدة. ] فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ... [ ] فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ[

]لَنُخْرِجَنَّكَ ياشُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَكَ[ الآيات (64 - 72 - 83 - 88) .

حزم بدأ بسجدة

فعندما أتى السحرة لطلب القرب من فرعون ومواجهة موسى عليه السلام، رأوا الآية الدالة على رسالته، فحسموا موقفهم خلال دقائق وكان حسمهم شديدًا وفي منتهى القوة: ] فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ & فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ & وَأُلْقِىَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ [ (118-120) بدأ إيمانهم بهذه السجدة المؤمنة وتمسكوا بهذا الإيمان رغم التهديد بالهلاك والتعذيب: ] قَالُواْ ءامَنَّا بِرَبّ الْعَالَمِينَ & رَبّ مُوسَى وَهَارُونَ & قَالَ فِرْعَوْنُ ءامَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ ءاذَنَ لَكُمْ...[ (121-123) .

وبعد ذلك يقول لهم فرعون ] لاقَطّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لاَصَلّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ [ (124) فماذا كان أثر ذلك على موقفهم؟ ] قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبّنَا مُنقَلِبُونَ & وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلا أَنْ ءامَنَّا بِئَايَاتِ رَبّنَا لَمَّا جَاءتْنَا [ (125-126) هكذا في إصرار وعدم تردد رغم تهديد فرعون ووعيده، بل أنهم استمدوا الصبر والتمسوا حسن الخاتمة من صاحب الحق: ] رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ...[ (126) .

بنو إسرائيل: سلبية وتردّد

وبالمقابل، ترينا الآيات نموذجًا آخر للتردّد وهم بنو إسرائيل، فعندما قال لهم نبيّهم ] اسْتَعِينُواْ بِالله وَاصْبِرُواْ إِنَّ الارْضَ لله يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ[ (128) فماذا كان جوابهم؟

] قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا[ (129) .

فردّ عليهم موسى ليعلمهم حسن الظن بالله والذي هو أمر أساسي من متطلبات الحسم:

] قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى الاْرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ[ (129) .

فالآيتان (128 - 129) تؤكدان على أن الحزم وعدم التردد

أمران أساسيان في امتحان الاستخلاف على الأرض، وهذا ما لم يفهمه بنو إسرائيل.

حتى في العقيدة

ويظهر بنو إسرائيل في مواقف أخرى توحي أنهم يعيشون بلا غاية ولا هدى حتى في أمور العقيدة. ففي الآية 138 نرى قوله تعالى ] وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إِسْرءيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ [ لقد كانوا منذ قليل يعبرون البحر، وقد رأوا فرعون وجنده وغرقهم، فماذا كان موقفهم التالي: ] قَالُواْ يامُوسَى اجْعَلْ لَّنَا الها كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ[. هذا السؤال الذي ينمّ عن قمة في الجهل أتى في نفس الآية التي تحكي قصة نجاتهم ليرينا الله تعالى حالة التردد وعدم الثبات عندهم.

(فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا)

كانت أغلب أوامر الله لبني إسرائيل تحثّ على تطبيق أمر الله ودينه بقوة.

ففي الآية (145) : ]فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا[.

وفي الآية (171) : ]خُذُواْ مَا ءاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ...[.

فكيف كان أخذهم لأوامر الله؟

تركهم موسى وذهب للقاء ربه، فماذا فعلوا؟

]وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ[ (148) .

فتنكر عليهم الآيات بشدة:

] أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ & وَلَمَّا سُقِطَ فَى أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ[ (148-149) .

فهم يشكون من عدم الوضوح والحزم في تديّنهم وعلاقتهم مع الله ،وبذلك يظهر الفارق واضحًا بين السحرة وبين بني إسرائيل، بين تحدي السحرة لفرعون ] فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ [ (72) وبين ] قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا[ (129) .

بين ] قَالُواْ آمَنَّا بِرَبّ الْعَالَمِينَ [ (121) التي أتت دون تردد من السحرة، وبين ] اجْعَلْ لَّنَا الها كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ[ (138) التي صدرت من بني إسرائيل رغم المعجزات الكبيرة التي رأوها.

فمثله كمثل الكلب

وتقوم السورة قبل ختامها بحشد عدد كبير من الأمثال والآيات لتخدم نفس المعنى وتحذِّر المؤمنين من الغفلة وعدم الحسم مع شرع الله ودينه، فيأتي مثال رهيب:

] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِى ءاتَيْنَاهُ ءايَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ & وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَاكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الاْرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث...[ (175-176) .مثال رهيب عن من آتاه الله آياته وهدايته، فانسلخ منها كما تنسلخ الحية من جلدها. ولو أنه بقي على تديّنه لأعزّه الله ورفعه، لكنه آثر الدناءة. فهو كالكلب يتعب ويلهث سواء أكان حاله الغفلة أم المعرفة. مثال رهيب لا بد أن يوقظ كل نائم وكل غافل.

اسجدها... بهذا المعنى

وأجمل ختام للسورة آية فيها سجدة. وهي أول سجدة في المصحف،

حتى نذكر الحزم والحسم والعزيمة.. نذكر سجدة السحرة الذين تحدّوا

فرعون بجبروته وظلمه. كما أن الآية تدعونا إلى إظهار الخضوع لله تعالى بشكل عملي لأنّ حركة السجود تنبّه النفس للتطبيق فتزداد استعدادًا لحسم موقفها في الحياة.

بهذا المعنى نسجدها: ] إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ[ (206) ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت