فهرس الكتاب

الصفحة 283 من 4557

فبهذا تثبت صفة الساق لله تعالى، من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - المتفق على صحته، وهو من أحاديث الشفاعة، وتنكير الساق إنما للتعظيم والتفخيم، فانطلاقًا من هذا الحديث الصحيح نرى الآية من آيات الصفات المفسرة بالسنة؛ لأن الآية جاءت محتملة المعنى حيث جاء الساق مجردًا عن الإضافة المخصصة فجاءت السنة مبينة بأن المراد بالساق هو ساق الرحمن. وهذه طريقة أهل العلم قديمًا وحديثًا، في الإيمان ما جاءت به السنة مفسرة أو مفصلة لما أجمل

المطلب الثالث: أما ما نسبته المبتدعة إلى ظاهر القرآن - الذي هو حجة الله على عباده -، إلى أقبح النقص والعيب، فزعموا أن ظاهره ومدلوله إثبات بأن لله ساق واحدة. فهذه الدعوى تدل على إن ظاهر ما وصف الله به نفسه في كتابه يدل على هذه الصفة الشنيعة المستقبحة فيكون سبحانه قد وصف نفسه بأشنع الصفات في ظاهر كلامه، فأي طعن في القرآن أعظم من طعن من يجعل هذا الظاهر ومدلوله؟ وهل هذا إلا من جنس قول الذين جعلوا القرآن عضين فعضهوه بالباطل وقالوا هو سحر أو شعر، أو كذب مفترى؟

فإن هذا القول كفرًا، بل هو أشد من كفر مشركي الجاهلية، وبيانه:

أولًا: إن الكفار أقروا بعظمة القرآن، وشرف قدره، وعلوه، وجلالته حتى قال فيه رأس الكفر:"والله إن لكلامه لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لجنى، وإنه ليعلو، وما يعلى، وما يشبه كلام البشر"رواه الحاكم والحديث صحيح.

ثانيًا: لم يدع أعداء الرسول، الذين جهروا بالمحاربة والعداوة، أن ظاهر كلامه أبطل الباطل، وأبين المحال وهو وصف الخالق سبحانه بأقبح الهيئات، والصور، ولو كان ذلك ظاهر القرآن، لكان ذلك من أقرب الطرق لهم إلى الطعن فيه، وقالوا كيف يدعونا إلى عبادة رب له ساق واحدة، فكيف كانوا يسكتون له على ذلك، وهم يوردون عليه ما هو أقل من هذا بكثير، كما أوردوا عليه المسيح لما قال: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} . فقد أخرج الحاكم في مستدركه عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال:"ما نزلت: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} ، فقال المشركون: الملائكة، وعيسى، وعزير، يعبدون من دون الله. فقال: لو كان هؤلاء الذين يعبدون آلهة ما وردوها. قال: فنزلت {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} عيسى وعزير والملائكة"والحديث صحيح. فتعلقوا بظاهر ما لم يدل على ما أوردوه، وهو دخول المسيح عيسى وعزير والملائكة فيما عبد من دون الله إما بعموم لفظ"ما"وإما بعموم المعنى، فأوردوا على هذا الظاهر هذا الإيراد.

ونحن نبين أن هذه الصورة الشنيعة ليست تفهم من ظاهر القرآن، أن الله سبحانه قال: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} ، فدعوى المبتدعة بأن ظاهر هذا إثبات ساق واحد، فرية ظاهرة، فمن أين في ظاهر القرآن إثبات ساق واحد لله؟ فإنه سبحانه قال: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} فعلى تقدير أن يكون الساق من الصفات فليس من ظاهر القرآن ما يوجب أنه لا يكون له إلا ساق واحد فلو دل على ما ذكر لم يدل على نفي ما زاد على ذلك لا بمنطوقه ولا بمفهومه، حتى إن القائلين بمفهوم اللقب لا يدل ذلك عندهم على نفي ما عدا المذكور لأنه متى كان للتخصيص بالذكر سبب غير الاختصاص بالحكم لم يكن المفهوم مرادًا بالاتفاق، وليس المراد بالآية إثبات الصفة، حتى يكون تخصيص الأمر بالذكر مرادًا بل المقصود حكم آخر وهو بيان تفريط العبد في حق الله، وبيان سجود الخلائق إذا كشف عن ساق وهذا حكم قد يختص بالمذكور دون غيره، فلا يكون له مفهوم.

نفرض أنه سبحانه أخبر أنه يكشف عن ساق واحدة هي صفة، فمن أين في ظاهر الآية إنه ليس له إلا تلك الصفة الواحدة؟ فإنه لو سمع قائلًا يقول:"كشفت عن عيني وأبديت عن ركبتي وعن ساقي أو قدمي أو يدي"هل يفهم منه أنه ليس له إلا ذلك الواحد فقط؟ فكم هذا التلبيس والتدليس! فلو قال واحد من الناس:"هذا لم يكن ظاهر كلامه ذلك"فكيف يكون ظاهر أفصح الكلام وأبينه ذلك.

فإن المفرد المضاف يراد به ما هو أكثر من واحد كقوله تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا} وقوله: {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ} وقوله: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ} فلو كان الساق صفة لكان بمنزلة قوله: {بِيَدِهِ الْمُلْك} و: {بِيَدِكَ الْخَيْر} و: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} (7) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت