وعلى هذا القول فلا مدح للرهبانية بجعلها في القلوب .. فثبت على التقديرين أنه ليس في القرآن مدح للرهبانية ثم قال"إلا ابتغاء رضوان الله".. أى لم يكتب عليهم إلا ابتغاء رضوان الله وابتغاء رضوان الله بفعل ما أمر به .. لا بما يبتدع وهذا يسمى استثناء منقطعا كما في قوله"اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه"وقوله تعالى"يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا"وقوله تعالى"لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى"وقوله تعالى"فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون بل الذين كفروا يكذبون والله أعلم بما يوعون فبشرهم بعذاب أليم إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون"وقوله تعالى"لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما"وقوله"وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ"وهذا أصح الأقوال في هذه الآية كما هو مبسوط في موضع آخر .
ولا يجوز أن يكون المعنى أن الله كتبها عليهم ابتغاء رضوان الله .. فإن الله لا يفعل شيئا ابتغاء رضوان نفسه ولا أن المعنى أنهم ابتدعوها ابتغاء رضوانه كما يظن هذا وهذا بعض الغالطين كما قد بسط في موضع آخر .. وذكر أنهم ابتدعوا الرهبانية وما رعوها حق رعايتها .. وليس في ذلك مدح لهم بل هو ذم ثم قال تعالى"فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم"وهم الذين آمنوا منهم بمحمد وكثير منهم فاسقون .. ولو أريد الذين آمنوا بالمسيح أيضا فالمراد من اتبعه على دينه الذي لم يبدل .. وإلا فكلهم يقولون إنهم مؤمنون بالمسيح وبكل حال فلم يمدح سبحانه إلا من اتبع المسيح على دينه الذي لم يبدل .. ومن آمن بمحمد لم يمدح النصارى الذين بدلوا دين المسيح ولا الذين لم يؤمنوا بمحمد .. فإن قيل قد قال بعض الناس إن قوله تعالى ورهبانية ابتدعوها عطف على رأفة ورحمة وإن المعنى أن الله جعل في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية أيضا ابتدعوها وجعلوا الجعل شرعيا ممدوحا قيل هذا غلظ لوجوه:
منها أن الرهبانية لم تكن في كل من اتبعه بل الذين صحبوه كالحواريين لم يكن فيهم راهب .. وإنما ابتدعت الرهبانية بعد ذلك بخلاف الرأفة والرحمة فإنها جعلت في قلب كل من اتبعه .
ومنها أنه أخبر أنهم ابتدعوا الرهبانية بخلاف الرأفة والرحمة .. فإنهم لم يبتدعوها وإذا كانوا ابتدعوها لم يكن قد شرعها لهم فإن كان المراد هوالجعل الشرعي الديني لا الجعل الكوني القدري فلم تدخل الرهبانية في ذلك .. وإن كان المراد الجعل الخلقي الكوني فلا مدح للرهبانية في ذلك .
ومنها أن الرأفة والرحمة جعلها في القلوب والرهبانية لا تختص بالقلوب .. بل الرهبانية ترك المباحات من النكاح واللحم وغير ذلك .. وقد كان طائفة من الصحابة رضوان الله عليهم هموا بالرهبانية فأنزل الله تعالى نهيهم عن ذلك بقوله تعالى"يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين"وثبت في الصحيحين أن نفرا من أصحاب النبي قال أحدهم أما أنا فأصوم لا أفطر وقال آخر أما أنا فأقوم لا أنام وقال آخر أما أنا فلا أتزوج النساء وقال آخر أما أنا فلا آكل اللحم .. فقام النبي خطيبا فقال ما بال رجال يقول أحدهم كذا وكذا لكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس مني .
وفي صحيح البخاري أن النبي رأى رجلا قائما في الشمس فقال ما هذا قالوا هذا أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال مروه فليجلس وليستظل وليتكلم وليتم صومه .
وثبت في صحيح مسلم عن النبي أنه كان يقول في خطبته خير الكلام كلام الله وخير الهدى هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وفي السنن عن العرباض بن سارية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة .. قال الترمذي حديث حسن صحيح .. وقد بينت النصوص الصحيحة أن الرهبانية بدعة وضلالة وما كان بدعة وضلالة لم يكن هدى .. ولم يكن الله جعلها بمعنى أنه شرعها كما لم يجعل الله ما شرعه المشركون من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام .