فهرس الكتاب

الصفحة 2136 من 4557

كان المسلمون يقولون لمحمد: راعنا يا رسول الله (من المراعاة) أي ارعنا سمعك وانتبه لكلامنا. وكانت هذه اللفظة سبًّا قبيحًا بلغة اليهود، ومعناها عندهم اسمع لا سمعت! . وقيل من الرعونة إذا أرادوا أن يحمِّقوا إنسانًا قالوا: راعنا، يعني أحمق. فلما سمعت اليهود هذه الكلمة من المسلمين، قالوا فيما بينهم: كنا نسبّ محمد سرًا فأعلنوا به الآن . فكانوا يأتونه ويقولون: راعنا يا محمد ويضحكون فيما بينهم. فسمعها سعد بن معاذ، ففطن لها، وكان يعرف لغتهم. فقال لليهود: لئن سمعنا من أحدٍ منكم يقولها لمحمد لأضربنّ عنقه . فقالوا: أَوَلستم تقولونها؟ فكان ذلك موجبًا لمحمد أن يقول: لا تقولوا راعنا، حتى لا يجد اليهود بذلك سبيلًا إلى شَتْمه (المنار في تفسير البقرة 2: 104) .

فهذا لا يستلزم وحيًا ولا إلهامًا، فإنه تنبيهٌ لأصحابه أن لا يخاطبوه بعبارة تحتمل سبّه. ومع ذلك قالوا إن سعد بن معاذ كان أول من عرف مكيدة اليهود وسبّهم. فلو كان محمد من الذين يوحي الله إليهم حقيقةً، لعرف من نفسه مكائد اليهود بدون سعد!

الرد

الله تعالى لما شرح قبائح أفعال أهل الكتاب قبل مبعث محمد عليه الصلاة والسلام أراد من ههنا أن يشرح قبائح أفعالهم عند مبعث محمد صلى الله عليه وسلم وجدهم واجتهادهم في القدح فيه والطعن في دينه وهذا هو النوع الأول من هذا الباب وههنا مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن الله تعالى خاطب المؤمنين بقوله تعالى: { ياأيها الذين آمنوا } في ثمانية وثمانين موضعًا من القرآن. قال ابن عباس: وكان يخاطب في التوراة بقوله: يا أيها المساكين فكأنه سبحانه وتعالى لما خاطبهم أولًا بالمساكين أثبت المسكنة لهم آخرًا حيث قال:

{ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ } [البقرة: 61]

وهذا يدل على أنه تعالى لما خاطب هذه الأمة بالإيمان أولًا فإنه تعالى يعطيهم الأمان من العذاب في النيران يوم القيامة، وأيضًا فاسم المؤمن أشرف الأسماء والصفات، فإذا كان يخاطبنا في الدنيا بأشرف الأسماء والصفات فنرجو من فضله أن يعاملنا في الآخرة بأحسن المعاملات.

المسألة الثانية: أنه لا يبعد في الكلمتين المترادفتين أن يمنع الله من أحدهما ويأذن في الأخرى، ولذلك فإن عند الشافعي رضي الله عنه لا تصلح الصلاة بترجمة الفاتحة سواء كانت بالعبرية أو بالفارسية، فلا يبعد أن يمنع الله من قوله: { ر?عِنَا } ويأذن في قوله: { انظُرْنَا } وإن كانتا مترادفتين ولكن جمهور المفسرين على أنه تعالى إنما منع من قوله: { ر?عِنَا } لاشتمالها على نوع مفسدة ثم ذكروا فيه وجوهًا:

أحدها: كان المسلمون يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا عليهم شيئًا من العلم: راعنا يا رسول الله، واليهود كانت لهم كلمة عبرانية يتسابون بها تشبه هذه الكلمة وهي «راعينا» ومعناها: اسمع لا سمعت، فلما سمعوا المؤمنين يقولون: راعنا إفترضوه وخاطبوا به النبي وهم يعنون تلك المسبة، فنهي المؤمنون عنها وأمروا بلفظة أخرى وهي قوله: { انظُرْنَا } ، ويدل على صحة هذه التأويل قوله تعالى في سورة النساء:

{ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَإسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَر?عِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِى الدّينِ }

[النساء: 46]

وروي أن سعد بن معاذ سمعها منهم فقال: يا أعداء الله عليكم لعنة الله والذي نفسي بيده لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله لأضربن عنقه، فقالوا: أولستم تقولونها ؟ فنزلت هذه الآية

وثانيها: قال قطرب: هذه الكلمة وإن كانت صحيحة المعنى إلا أن أهل الحجاز ما كانوا يقولونها إلا عند الهزؤ والسخرية، فلا جرم نهى الله عنها

وثالثها: أن اليهود كانوا يقولون: راعينا أي أنت راعي غنمنا فنهاهم الله عنها

ورابعها: أن قوله: «راعنا» مفاعلة من الرعي بين اثنين، فكان هذا اللفظ موهمًا للمساواة بين المخاطبين كأنهم قالوا: أرعنا سمعك لنرعيك أسماعنا، فنهاهم الله تعالى عنه وبين أن لا بد من تعظيم الرسول عليه السلام في المخاطبة على ما قال:

{ لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُمْ بَعْضًا } [النور: 63] .

وخامسها: أن قوله: «راعنا» خطاب مع الاستعلاء كأنه يقول: راع كلامي ولا تغفل عنه ولا تشتغل بغيره، وليس في «انظرنا» إلا سؤال الانتظار كأنهم قالوا له توقف في كلامك وبيانك مقدار ما نصل إلى فهمه

وسادسها: أن قوله: «راعنا» على وزن عاطنا من المعاطاة، ورامنا من المراماة، ثم إنهم قلبوا هذه النون إلى النون الأصلية وجعلوها كلمة مشتقة من الرعونة وهي الحق، فالراعن اسم فاعل من الرعونة

فيحتمل أنهم أرادوا به المصدر. كقولهم: عياذًا بك، أي أعوذ عياذًا بك، فقولهم: راعنا: أي فعلت رعونة. ويحتمل أنهم أرادوا به: صرت راعنا، أي صرت ذا رعونة، فلما قصدوا هذه الوجوه الفاسدة لا جرم نهى الله تعالى عن هذه الكلمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت