فهرس الكتاب

الصفحة 2014 من 4557

فإن قيل: ما فائدة الواو في قوله { وَلِنَجْعَلَكَ } قلنا: قال الفرّاء: دخلت الواو لأنه فعل بعدها مضمر ، لأنه لو قال: وانظر إلى حمارك لنجعلك آية ، كان النظر إلى الحمار شرطًا ، وجعله آية جزاء ، وهذا المعنى غير مطلوب من هذا الكلام ، أما لما قال: { وَلِنَجْعَلَكَ ءايَةً } كان المعنى: ولنجعلك آية فعلنا ما فعلنا من الإماتة والإحياء ، ومثله قوله تعالى: { وكذلك نُصَرّفُ الأيات وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ } [ الأنعام: 105 ] والمعنى: وليقولوا درست صرفنا الآيات { وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم مَلَكُوتَ السموات والأرض وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين } [ الأنعام: 75 ] أي ونريه الملكوت .

أما قوله تعالى: { وانظر إِلَى العظام } فأكثر المفسرين على أن المراد بالعظام عظام حماره ، فإن اللام فيه بدل الكناية ، وقال آخرون أرادوا به عظام هذا الرجل نفسه ، قالوا: إنه تعالى أحيا رأسه وعينيه ، وكانت بقية بدنه عظامًا نخرة ، فكان ينظر إلى أجزاء عظام نفسه فرآها تجتمع وينضم البعض إلى البعض ، وكان يرى حماره واقفًا كما ربطه حين كان حيًا لم يأكل ولم يشرب مائة عام ، وتقدير الكلام على هذا الوجه: وانظر إلى عظامك ، وهذا قول قتادة والربيع وابن زيد ، وهو عندي ضعيف لوجوه أحدها: أن قوله { لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } إنما يليق بمن لا يرى أثر التغير في نفسه فيظن أنه كان نائمًا في بعض يوم ، أما من شاهد أجزاء بدنة متفرقة ، وعظام بدنة رميمة نخرة ، فلا يليق به ذلك القول وثانيها: أنه تعالى حكي عنه أن خاطبه وأجاب ، فيجب أن يكون المجيب هو الذي أماته الله ، فإذا كانت الإماتة راجعة إلي كله ، فالمجيب أيضًا الذي بعثه الله يجب أن يكون جملة الشخص وثالثها: أن قوله { فَأَمَاتَهُ الله مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ } يدل على أن تلك الجملة أحياها وبعثها .

أما قوله { كَيْفَ ننشرها } فالمراد يحييها ، يقال: أنشر الله الميت ونشره ، قال تعالى: { ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ } وقد وصف الله العظام بالإحياء في قوله تعالى: { قَالَ مَن يُحىِ العظام وَهِىَ رَمِيمٌ ، قُلْ يُحْيِيهَا } [ ياس: 78 ، 79 ] وقرىء { ننشرها } بفتح النون وضم الشين ، قال الفرّاء: كأنه ذهب إلى النشر بعد الطي ، وذلك أن بالحياة يكون الانبساط في التصرف ، فهو كأنه مطوي ما دام ميتًا ، فإذا عاد صار كأنه نشر بعد الطي ، وقرأ حمزة والكسائي { كَيْفَ نُنشِزُهَا } بالزاي المنقوطة من فوق ، والمعنى نرفع بعضها إلى بعض ، وانشاز الشيء رفعه ، يقال أنشزته فنشز ، أي رفعته فارتفع ، ويقال لما ارتفع من الأرض نشز ، ومنه نشوز المرأة ، وهو أن ترتفع عن حد رضا الزوج ، ومعنى الآية على هذه القراءة: كيف نرفعها من الأرض فتردها إلى أماكنها من الجسد ونركب بعضها على البعض ، وروي عن النخعي أنه كان يقرأ { ننشِزُهَا } بفتح النون وضم الشين والزاي ووجهه ما قال الأخفش أنه يقال: نشزته وأنشزته أي رفعته ، والمعنى من جميع القراءات أنه تعالى ركب العظام بعضها على بعض حتى اتصلت على نظام ، ثم بسط اللحم عليها ، ونشر العروق والأعصاب واللحوم والجلود عليها ، ورفع بعضه إلى جنب البعض ، فيكون كل القراءات داخلًا في ذلك .

ثم قال تعالى: { فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ } وهذا راجع إلى ما تقدم ذكره من قوله { أنى يحيي هذه الله بعد موتها } والمعنى فلما تبين له وقوع ما كان يستبعد وقوعه وقال صاحب «الكشاف» : فاعل { تَبَيَّنَ لَهُ } مضمر تقديره فلما تبين له أن الله على كل شيء قدير قال: { أَعْلَمُ أَنَّ الله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } فحذف الأول لدلالة الثاني عليه ، وهذا عندي فيه تعسف ، بل الصحيح أنه لما تبين له أمر الإماتة والإحياء على سبيل المشاهدة قال: { أَعْلَمُ أَنَّ الله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } وتأويله: أني قد علمت مشاهدة ما كنت أعلمه قبل ذلك الاستدلال وقرأ حمزة والكسائي { قَالَ أَعْلَمُ } على لفظ الأمر وفيه وجهان أحدهما: أنه عند التبين أمر نفسه بذلك ، قال الأعشى:ودع أمامة إن الركب قد رحلوا ...

والثاني: أن الله تعالى قال: { أَعْلَمُ أَنَّ الله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } ويدل على صحة هذا التأويل قراءة عبد الله والأعمش: قيل أعلم أن الله على كل شيء قدير ويؤكده قوله في قصة إبراهيم { ربي أرني كيف تحيي الموتى } [ البقرة: 260 ] ثم قال في آخرها { واعلم أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [ البقرة: 260 ] قال القاضي: والقراءة الأولى وذلك لأن الأمر بالشيء إنما يحسن عند عدم المأمور به ، وهاهنا العلم حاصل بدليل قوله { فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ } فكان الأمر بتحصيل العلم بعد ذلك غير جائز ، أما الاخبار عن أنه حصل كان جائزًا .

الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 479)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت