فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 4557

وفي رواية قال الطبري: حدثني القاسم، قال: ثنا حسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة في قوله: (وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ) (4) الآية.

قال:"جاء عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ومطعم بن عدي، والحرث بن نوفل، وقرضة بن عيد عمرو بن نوفل في أشراف من بني عبد مناف من الكفار إلى أبي طالب، فقالوا: يا أبا طالب، لو أن ابن أخيك يطرد عنه موالينا وخلفاءنا، فإنما هم عبيدنا، وعسفاؤنا، كان أعظم في صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى لاتباعنا إياه وتصديقنا له، قال: فأتى أبو طالب النبي، صلى الله عليه وسلم فحدثه بالذي كلموه به، فقال عمر بن الخطاب: لو فعلت ذلك حتى ننظر ما الذي يريدون، وإلام يصيرون من قولهم، فأنزل الله تعالى: (وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) [سورة الأنعام، الآية: 51، 52] ."

فلما نزلت أقبل عمر بن الخطاب فاعتذر عن مقالته، فأنزل الله - تعالى-: (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ) " (5) [سورة الأنعام، الآية: 54] ."

وفي رواية أخرى للطبري عن خباب قال فيها:

فقال كفار قريش: إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا العرب به فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك، فنستحي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت، ثم نزل قوله -تعالى: (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) (6) (7) [سورة الأنعام، الآية:52] .

وقد وردت أحاديث أخرى، ولا يخلو بعضها من ضعف ولكن، يقوي بعضها بعضا فترتقي بمجموعها إلى درجة الحسن لغيره، ومعناها متقارب، وكلها تذكر سببا واحدا للنزول، ولكن في بعض هذه الروايات زيادات على بعض، ويؤكد هذه الروايات الحديث التالي:

من أصح ما ورد في هذا ما رواه مسلم في صحيحه، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي، عن إسرائيل، عن المقدام بن شريح، عن أبيه عن سعد هو ابن أبي وقاص، قال:"كنا مع النبي، صلى الله عليه وسلم ستة نفر، فقال المشركون للنبي، صلى الله عليه وسلم اطرد هؤلاء لا يجترءون علينا، قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان نسيت اسميهما، فوقع في نفس رسول الله، صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله عز وجل"وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ""الآية (8)

وذكر ابن كثير في قوله -تعالى-: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) (9) الآية، إنها نزلت في أشراف قريش حين طلبوا من الرسول، صلى الله عليه وسلم أن يجلس معهم وحده، ولا يجالسهم بضعفاء أصحابه، كبلال وعمار وصهيب وخباب وابن مسعود، وليفرد أولئك بمجلس على حدة، فنهاه الله عن ذلك فقال: (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) (10) الآية، وأمره أن يصبر نفسه في الجلوس مع هؤلاء فقال: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) (11) الآية (12) [سورة الكهف، الآية: 28] .

إن الوقوف مع سبب نزول هاتين الآيتين يضع حدا لكثير من الاجتهادات التي يقدم عليها كثير من الدعاة والجماعات، وهم -ولا شك- يقدمون عليها حرصا على دينهم، ورغبة في انتصار الدين وظهوره، وتحقيقا لبعض الأهداف التي يسعون إليها.

ولكن الغاية -مهما كانت شريفة- فإنها لا تبرر الوسيلة.

تصوروا القضية هكذا:

(1) - تفسير الطبري 7/ 200.

(2) - سورة الأنعام آية: 52.

(3) - انظر تفسير الطبري 7/202.

(4) - سورة الأنعام آية: 51.

(5) - انظر تفسير الطبري7/202 وهذا الحديث مرسل.

(6) - سورة الأنعام آية: 52.

(7) - انظر تفسير الطبري 7/201 وفي سنده السدي وهو ضعيف.

(8) - أخرجه مسلم (2413) ، وانظر تفسير ابن كثير 3/80.

(9) - سورة الكهف آية: 28.

(10) - سورة الأنعام آية: 52.

(11) - سورة الكهف آية: 28.

(12) - انظر تفسير ابن كثير 3/80.

لو أن جماعة من الجماعات الإسلامية، التي توجد في دول كافرة، وتسعى جاهدة للدعوة إلى دين الله، ونشر رسالة الإسلام، قالت لها تلك الدولة: نحن مستعدون للتفاوض معكم من أجل النظر في الاعتراف بكم، للدخول في الانتخابات مثلا، أو للحصول على بعض الامتيازات للدعوة، ولكن نشترط عليكم أن تبعدوا فلانا وفلانا من قيادتكم، وآخرين من جماعتكم، فإننا لا نعترف بجماعة فيها هؤلاء، والجماعة لا تنقم على هؤلاء الدعاة شيئا في أمر دينهم وعقيدتهم، ولم تكن تفكر في ذلك قبل هذا الطلب، ولكن الدولة لا تريدهم احتقارا لهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت