إن الصبر نوع من أعظم أنواع الانتصار، فبالصبر يسمو الإنسان على رغباته ويعلو على متع الحياة الدنيا.
والصبر سمة الرجال الأخيار (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (3) .
إنه بالصبر ينتصر على نفسه أولا، وينتصر على عدوه، ثانيا، وينصر مبدأه ثالثا. إننا عندما نذكر انتصار الإسلام في مراحله الأولى نتذكر آل ياسر: ياسر وسمية وعمار.
إن هذا البيت بصبره وجهاده، وتقديم حياته فداء لهذا الدين، ممن وضع اللبنات الأولى لعزة هذا الدين وظهوره.
لقد انتصروا على ذواتهم أولا، وعلى المشركين ثانيا، ونصروا الإسلام ثالثا.
ثم لهم الجنة بعد ذلك، (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ) (4) [سورة آل عمران، الآية: 185] . (ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ) (5) [سورة البروج الآية: 11] .
وأجد أنّ قصة الصحابي الجليل عمير بن الحمام في بدر قصة تسجل انتصارًا باهرًا للداعية، فالوقوف عندها واستخلاص ما فيها من دورس وعبر يعطي دلالة على ما نحن بصدده.
سورة العصر و حقيقة النصر:
قال الإمام الشافعي -رحمه الله-:"لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم". (6) .
فما علاقة هذه السورة بحقيقة الانتصار؟
إن هذه السورة ترسم منهج النصر بصورة واضحة جلية، وتصحح الفهم الخاطئ بحصر قضية الانتصار بصورة واحدة أو نوع منفرد.
كيف ذلك؟
يقسم الله - سبحانه وتعالى- أن كل إنسان في خسر، أي خسارة وهلاك وبوار، إلا من استثنى بعد ذلك.
والمستثنى من الخاسرين، هو الفائز والرابح والمنتصر.
فلننظر في شروط الانتصار
1-الإيمان، (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا) (7) .
2-عمل الصالحات، (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) (8) .
3-التواصي بالحق، (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ) (9) .
4-التواصي بالصبر، (وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (10) .
هذه شروط النصر، فمن استكملها فقد خرج من الخسران ونجا، وبالتالي فقد انتصر وفاز وأفلح.
وهنا -بعد تقرير هذه القضية- نأتي للدلالة على فهم حقيقة الانتصار في هذه السورة.
فالله -سبحانه وتعالى- لم يذكر من شروط الانتصار تحقق النتائج، واهتداء الناس واستجابتهم.
إذن النصر ليس محصورا في تلك السورة فقط، والله -سبحانه- حكم بانتصار المسلم ونجاته من الخسران إذا استكمل الشروط الأربعة، وليس منها أن يستجيب الناس له، أو أن تتحقق الأهداف التي يسعى إليها، فهذا الأمر ليس له، وليس من لوازم النصر، وهذا رحمة من الله وفضل (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (11) [سورة البقرة، الآية: 105] .
بل قد استوقفني في هذه السورة أمران مهمان، لهما علاقة في رسم منهج الانتصار، وهما:
1-التواصي بالحق، لأن الإنسان قد يضعف أو يزل أو ينحرف، فيحتاج إلى من يوصيه بالمنهج، محافظة عليه وصيانة له، فكم من إنسان يتصور أنه على الحق، وهو قد حاد عنه، واتبع السبل من حيث لا يدري، ومع ذلك يقول:
لماذا لم أنتصر، وما سر تأخر النصر؟ (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) (12) [سورة آل عمران، الآية: 165] .
فالتواصي بالحق سبيل لتحقق النصر الذي وعد الله به عباده المؤمنين، وعاصم من الانحراف عن صراط الله المستقيم.
2-التواصي بالصبر:
ولا يمكن أن يتحقق النصر لمستعجل الشيء قبل أوانه، ولا لليائس والقانط من رحمة الله.
والتواصي بالصبر يمنع من الاستعجال، ويبعد اليأس والقنوط.
(1) - سورة الروم آية: 47.
(2) - رواه الحاكم 3/388 - 389 وصححه الألباني في فقه السيرة (107) .
(3) - سورة ص آية: 30.
(4) - سورة آل عمران آية: 185.
(5) - سورة البروج آية: 11.
(6) - تفسير ابن كثير 4/547.
(7) - سورة العصر آية: 3.
(8) - سورة آية: 3.
(9) - سورة العصر آية: 3.
(10) - سورة العصر آية: 3.
(11) - سورة البقرة آية: 105.
(12) - سورة آل عمران آية: 165.
ومن هنا فإن المؤمن إذا التزم بالحق وتمسك به وسار عليه ولم يحد عنه، ثم صبر وصابر غير مستعجل ولا يائس، فإن النصر متحقق له لا محالة (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا) (1) [سورة النساء، الآية: 122] . بل إن التزام الحق والصبر، هو النصر الذي لا يتحقق نصر دونه.
أسباب تأخر النصر الظاهر
النفس مجبولة على حبّ العاجل، وتحقق النصر الظاهر لدين الله أمر محبب إلى النفس كيف لا، وهو ظهور دين الله وقمع الباطل وأهله، ولذلك قال -سبحانه-: (وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (2) [سورة الصف، الآية: 13] .
ونحن مأمورون بالسعي لإقامة دين الله (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) (3) [سورة البقرة، الآية: 193] .
وكثير من الناس -وأخص الدعاة منهم- يستبطئون تحقق النصر، وقد يسبب لهم هذا الأمر شيئا من اليأس أو الانحراف عن المنهج، ويغفلون عن الأسباب التي تؤخر النصر الظاهر، مع أن معرفة هذه الأسباب أمر مهم، وله آثاره الإيجابية على حياة الدعاة والمدعوين والأتباع، وذلك أن هذه الأسباب على نوعين: