فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 4557

"وهذا وعد الله الصادق الذي كان والذي لابد أن يكون على الرغم فيما قد يبدو أحيانًا من الظاهر الذي يخالف هذا الوعد الصادق . فالذي وقع بالفعل أن الإيمان والتوحيد قد غلبا على الكفر والشرك . واستقرت العقيدة في الله في هذه الأرض ، ودانت لها البشرية بعد كل ما وقف في طريقها من عقبات الشرك والوثنية ، وبعد الصراع الطويل مع الكفر والشرك والإلحاد. وإذا كانت هناك فترات عاد فيها الإلحاد والشرك إلى الظهور في بعض بقاع الأرض- كما يقع الآن في الدول الملحدة والوثنية - فإن العقيدة في الله ظلت هي المسيطرة بصفة عامة . فضلًا على أن فترات الإلحاد والوثنية إلى زوال مؤكد ، لأنها غير صالحة للبقاء ، والبشرية تهتدي في كل يوم إلى أدلة جديدة تهدي إلى الاعتقاد في الله والتمكين لعقيدة الإيمان والتوحيد". (8)

* وقال تعالى - بصيغة الجزم -: { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار } غافر (51،52) .

"إن وعد الله قاطع جازم: { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا .. } .. بينما يشاهد الناس أن الرسل منهم من يقتل ومنهم من يهاجرمن أرضه وقومه مكذبًا مطرودًا ، وأن المؤمنين فيهم من يسام العذاب ، وفيهم من يلقى في الأخدود ، وفيهم من يستشهد ، وفيهم من يعيش في كرب وشدة واضطهاد .. فأين وعد الله لهم بالنصر في الحياة الدنيا ؟ ويدخل الشيطان إلى النفوس من هذا المدخل ، ويفعل بها الأفاعيل ! ولكن الناس يقيسون بظواهر الأمور . ويغفلون عن قيم كثيرة وحقائق كثيرة في التقدير ."

إن الناس يقيسون بفترة قصيرة من الزمان ، وحيز محدود من المكان، وهي مقاييس بشرية صغيرة . فأما المقياس الشامل فيعرض القضية في الرقعة الفسيحة من الزمان والمكان ، ولا يضع الحدود بين عصر وعصر ، ولا بين مكان ومكان. ولو نظرنا إلى قضية الاعتقاد والإيمان في هذا المجال لرأيناها تنتصر من غير شك . وانتصار قضية الاعتقاد هو انتصار أصحابها . فليس لأصحاب هذه القضية وجود ذاتي خارج وجودها . وأول ما يطلبه منهم الإيمان أن يفنوا فيها ويختفوا هم ويبرزوها !

والناس كذلك يقصرون معنى النصر على صورة معينة معهودة لهم، قريبة الرؤية لأعينهم . ولكن صور البصر شتى . وقد يتلبس بعضها بصورة الهزيمة عند النظرة القصيرة ..

إبراهيم عليه السلام وهو يلقى في النار فلا يرجع عن عقيدته ولا عن الدعوة إليها .. أكان في موقف نصر أم في موقف هزيمة ؟ ما من شك - في منطق العقيدة - أنه كان في قمة النصر وهو يلقى في النار . كما أنه انتصر مرة أخرى وهو ينجو من النار . هذه صورة وتلك صورة . وهما في الظاهر بعيد من بعيد. فأما في الحقيقة فهما قريب من قريب ! ..

والحسين - رضوان الله عليه - وهو يستشهد في تلك الصورة العظيمة من جانب ، المفجعة من جانب ؟ أكانت هذه نصرًا أم هزيمة ؟ في الصورة الظاهرة وبالمقياس الصغير كانت هزيمة . فأما في الحقيقة الخالصة وبالمقياس الكبير فقد كانت نصرًا . فما من شهيد في الأرض تهتز له الجوانح بالحب والعطف ، وتهفو له القلوب وتجيش بالغيرة والفداء كالحسين - رضوان الله عليه - يستوي في هذا المتشيعون وغير المتشيعون من المسلمين وكثير من غير المسلمين ! وكم من شهيد ما كان يملك أن ينصر عقيدته ودعوته ولو عاش ألف عام كما نصرها باستشهاده . وما كان يملك أن يودع القلوب من المعاني الكبيرة ، ويحفز الألوف إلى الأعمال الكبيرة ، بخطبة مثل خطبته الأخيرة التي يكتبها بدمه ، فتبقى حافزًا محركًا للأبناء والأحفاد . وربما كانت حافزًا ومحركًا لخطى التاريخ كله مدى الأجيال .

ما النصر ؟ وما الهزيمة ؟ إننا في حاجة أن نراجع ما استقر في تقديرنا من الصور . ومن القيم . قبل أن نسأل: أين وعد الله لرسله وللمؤمنين بالنصر في الحياة الدنيا !

على أن هناك حالات كثيرة يتم فيها النصر في صورته الظاهرة القريبة . ذلك حين تتصل هذه الصورة الظاهرة القريبة بصورة باقية ثابتة . لقد انتصر محمد - صلى الله عليه وسلم - في حياته . لأن هذا النصر يرتبط بمعنى إقامة هذه العقيدة بحقيقتها الكاملة في الأرض . فهذه العقيدة لا يتم تمامها إلا أن تهيمن على حياة الجماعة البشرية وتصرفها جميعًا . من القلب المفرد إلى الدولة الحاكمة . فشاء الله أن ينتصر صاحب هذه العقيدة في حياته ، ليحقق هذه العقيدة في صورتها الكاملة ويترك هذه العقيدة مقررة في واقعة تاريخية محددة مشهودة . ومن ثم اتصلت صورة النصر القريبة بصورة أخرى بعيدة ، واتحدت الصورة الظاهرة مع الصورة الحقيقية . وفق تقدير الله وترتيبه ." (9) "

* وكما وعد الله تعالى المؤمنين بالنصر فإنه وعدهم كذلك بوراثة الأرض والاستخلاف فيها ، والتمكين لدينه .. وهذا واضح في آيات الكتاب نذكر منها ما يلي:

-كقوله تعالى: { ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون } الأنبياء (105) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت