وهذه الآيات جملة تقرر بوضوح إرادة الله في انتصار الحق على الباطل ، وأن الحق أصيل وغالب ، وأن الباطل ضعيف طارئ لا أصل له ولا أساس .. وأن الله وراء المعركة القائمة بين أهل الحق ، وأهل الباطل ، وهو - تعالى - الذي يقودها بإرادته ، ويحكم في نهايتها بانتصار الحق على الباطل .. وبهذا تطمئن النفوس ، وتهدأ الضمائر ، ويزول الشك ، ويحل محله اليقين ، فالله مع أهل الحق ينصرهم ويؤيدهم ، ويعينهم ، ولا ينسى عباده ، ولا يتخلى عنهم ، بل يقف إلى جانبهم ، فيحق الحق ويبطل الباطل ، ويمحوه ، حتى لا يعود له أثر ولا وجود.
ثانيًا: الآيات القرآنية التي تبين انتصار الإسلام وهيمنته على باقي الأديان .
لقد أتم الله نعمته على المسلمين ، بإكمال الدين ، ورضي لهذا الدين أن يسود ، وأن يقود ، وأن يهيمن على باقي الأديان..
قال تعالى: { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ، ورضيت لكم الإسلام دينا } المائدة (3) .
ولقد وعد الله تعالى عباده المؤمنين أن يمكن لهذا الدين في الأرض ، وأن ينصر هذا الدين وأهله ، وأن يجعله عزيزًا قويًا لا تغلبه قوة ، ولا تعلوه ديانة .. قال تعالى: { وعد الله الذين آمنوا منكم ، وعملوا الصالحات ، ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا ، يعبدونني ولا يشركون بي شيئًا ، ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون } النور (55-56) .
وعبثًا يظن أهل الباطل انهم قادرون على القضاء على هذا الدين الذي ارتضاه الله لعباده .. رغم جهودهم الجبارة وكيدهم ومكرهم على مدى الزمان ..
ولقد صور الله تعالى هذه المحاولات البائسة الكثيرة منهم - لضرب هذا الدين - بصورة تبين مدى ضعفهم في مواجهة هذا الدين وهذا الحق الذي جاء من عند الله تبارك وتعالى ..
قال تعالى: { يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا إن يتم نوره ولو كره الكافرون ، وهو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون } التوبة (23،33) .
"إن أهل الكتاب هؤلاء لا يقفون عند حد الانحراف عن دين الحق ، وعبادة أرباب من دون الله . وعدم الإيمان بالله واليوم الآخر - وفق المفهوم الصحيح للإيمان بالله واليوم الآخر - إنما هم كذلك يعلنون الحرب على دين الحق ، ويريدون إطفاء نور الله في الأرض المتمثل في هذا الدين ، وفي الدعوة التي تنطلق به في الأرض ، وفي المنهج الذي يصوغ على وفقه حياة البشر .."
{ يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم } .. فهم محاربون لنور الله . سواء بما يطلقونه من أكاذيب ودسائس وفتن ، أو بما يحرضون به أتباعهم وأشياعهم على حرب هذا الدين وأهله ، والوقوف سدًا في وجهه - كما كان هو الواقع الذي تواجهه هذه النصوص وكما هو الواقع على مدار التاريخ - .
وهذا التقرير - وإن كان يراد به استجاشة قلوب المسلمين إذ ذاك- هو كذلك يصور طبيعة الموقف الدائم لأهل الكتاب من نور الله المتمثل في دينه الحق الذي يهدي الناس بنور الله .
{ ويأبى الله إلًا أن يتم نوره ولو كره الكافرون } ..
وهو الوعد الحق من الله ، الدالّ على سنته التي لا تتبدل ، في إتمام نوره بإظهار دينه ولو كره الكافرون .. وهو وعد تطمئن له قلوب الذين آمنوا ، فيدفعهم هذا إلى المضي في الطريق على المشقة واللأواء في الطريق ، في ثناياه الوعيد لهؤلاء الكافرين وأمثالهم على مدار الزمان !
ويزيد السياق في هذا الوعيد وذلك الوعد توكيدًا: { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ، ولو كره المشركون } .." (4) "
وبمثل ذلك يقول الله تعالى في آيات أخرى: { يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ، والله متم نوره ولو كره الكافرون ، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون } الصف (8،9) .
وقوله تعالى: { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ، وكفى بالله شهيدًا } الفتح (28) .
"فلقد ظهر دين الحق ، لا في الجزيرة وحدها ، بل ظهر في المعمور من الأرض كلها قبل مضي نصف قرن من الزمان . ظهر في إمبراطورية كسرى كلها ، وفي قسم كبير من إمبراطورية قيصر ، وظهر في الهند وفي الصين ، ثم في جنوب آسيا في الملايو وغيرها ، وفي جزر الهند الشرقية ( أندونيسيا ) .. وكان هذا هو معظم المعمور من الأرض في القرن السادس ومنتصف القرن السابع الميلادي ."
وما يزال دين الحق ظاهرًا على الدين كله-حتى بعد انحساره السياسي عن جزء كبير من الأرض التي فتحها، وبخاصة في أوروبا وجزر البحر الأبيض . وانحسار قوة أهله في الأرض كلها بالقياس إلى القوى التي ظهرت في الشرق والغرب في هذا الزمان.