أَنَّهُ لَا أَصْلَ لِكَرَاهَتِهِ ولم يَثْبُتْ عن الْأَطِبَّاءِ فيه شَيْءٌ انْتَهَى وَيُجَابُ بِأَنَّ دَعْوَاهُ أَنَّ الْمُوَافِقَ لِلدَّلِيلِ وَلِنَصِّ الْأُمِّ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ مَمْنُوعَةٌ وَأَثَرُ عُمَرَ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ آخَرَ صَحِيحٍ على أَنَّ الْحَصْرَ في قَوْلِهِ إلَّا الشَّافِعِيُّ فَوَثَّقَهُ مَمْنُوعٌ بَلْ وَثَّقَهُ ابن جُرَيْجٍ وابن عَدِيٍّ وَغَيْرُهُمَا كما ذَكَرَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَقَوْلُهُ ولم يَثْبُتْ عن الْأَطِبَّاءِ فيه شَيْءٌ شَهَادَةُ نَفْيٍ لَا يُرَدُّ بها قَوْلُ الشَّافِعِيِّ
وَيَكْفِي في إثْبَاتِهِ إخْبَارُ السَّيِّدِ عُمَرَ رضي اللَّهُ عنه الذي هو أَعْرَفُ بِالطِّبِّ من غَيْرِهِ وَتَمَسُّكُهُ بِهِ من حَيْثُ إنَّهُ خَبَرٌ لَا تَقْلِيدٌ وَضَابِطُ الْمُشَمَّسِ على ما أَفْهَمَهُ كَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ أَنْ يَنْتَقِلَ بِالشَّمْسِ عن حَالَتِهِ إلَى حَالَةٍ أُخْرَى حتى لو كان شَدِيدَ الْبُرُودَةِ فَخَفَّ بَرْدُهُ بِالشَّمْسِ فَمُتَشَمَّسٌ وَنَقَلَهُ في الْبَحْرِ عن الْأَصْحَابِ فقال قال أَصْحَابُنَا تَأْثِيرُ الشَّمْسِ في مِيَاهِ الْأَوَانِي تَارَةً تَكُونُ بِالْحُمَّى وَتَارَةً بِزَوَالِ بَرْدِهِ وَالْكَرَاهَةُ في الْحَالَيْنِ سَوَاءٌ قال الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ بَعْدَ نَقْلِهِمْ ذلك وَالْمَفْهُومُ من كَلَامِ من اشْتَرَطَ الْآنِيَةَ الْمُنْطَبِعَةَ وَالْبِلَادَ الْحَارَّةَ أَنَّ ذلك يَخْتَصُّ بِمَا يَظْهَرُ تَأْثِيرُ الشَّمْسِ فيه فَإِنَّهَا في مِثْلِ هذه الْآنِيَةِ تَفْصِلُ أَجْزَاءَ سُمِّيَّةً تُؤَثِّرُ في الْبَدَنِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ ظُهُورِ السُّخُونَةِ وما قَالُوهُ أَوْجَهُ
وَيُكْرَهُ تَنْزِيهًا شَدِيدُ حَرَارَةِ وشديد بُرُودَةِ لِمَنْعِ كُلٍّ منها الْإِسْبَاغَ نعم إنْ فَقَدَ غَيْرَهُ وَضَاقَ الْوَقْتُ وَجَبَ اسْتِعْمَالُهُ أو خَافَ منه ضَرَرًا حَرُمَ وهو وَاضِحٌ وتكره مِيَاهُ ثَمُودَ وَكُلُّ مَاءٍ مَغْضُوبٍ عليه كَمَاءِ دِيَارِ قَوْمِ لُوطٍ وَمَاءِ دِيَارِ بَابِلَ لَا مَاءِ بِئْرِ النَّاقَةِ لِأَنَّهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَمَرَ الناس النَّازِلِينَ على الْحِجْرِ أَرْضِ ثَمُودَ بِأَنْ يُهْرِيقُوا ما اسْتَقَوْا وَيَعْلِفُوا الْإِبِلَ الْعَجِينَ وَأَنْ يَسْتَقُوا من بِئْرِ النَّاقَةِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَقَوْلُهُ وَمِيَاهُ ثَمُودَ لَا بِئْرُ النَّاقَةِ من زِيَادَتِهِ أَخْذًا من الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ وَلَا يُكْرَهُ مَاءُ بَحْرٍ لِأَخْبَارٍ كَخَبَرِ هو الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ رَوَاهُ أبو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَخَبَرُ من لم يُطَهِّرْهُ مَاءُ الْبَحْرِ فَلَا طَهَّرَهُ اللَّهُ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَلِأَنَّهُ لم يَتَغَيَّرْ عن أَصْلِ خِلْقَتِهِ فَأَشْبَهَ غَيْرَهُ وما رُوِيَ من أَنَّهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال تَحْتَ الْبَحْرِ نَارٌ وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرٌ حتى عَدَّ سَبْعَةً وَسَبْعَةً ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ
وَلَوْ ثَبَتَ لم يَكُنْ فيه دَلِيلٌ قَالَهُ في الْمَجْمُوعِ وَلَوْ حَذَفَ الْمُصَنِّفُ لَا يُكْرَهُ كان أَنْسَبَ وَأَخْصَرَ ولا مَاءُ زَمْزَمَ لِعَدَمِ ثُبُوتِ نَهْيٍ فيه نعم تُكْرَهُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِهِ كما قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَصَرَّحَ بِهِ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلِاسْتِنْجَاءِ فَائِدَةٌ قال الْبُلْقِينِيُّ في مُخْتَصَرِ تَارِيخِ مَكَّةَ مَاءُ زَمْزَمَ أَفْضَلُ من الْكَوْثَرِ لِأَنَّ بِهِ غُسِلَ صَدْرُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَلَوْ لم يَكُنْ يُغْسَلُ إلَّا بِأَفْضَلِ الْمِيَاهِ وَلَا مُتَغَيِّرَ بِمَا لَا بُدَّ منه كَمُتَغَيِّرٍ بِمَا في مَقَرِّهِ وَمَمَرِّهِ لِتَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ عنه ولا مُتَسَخِّنٍ بِالنَّارِ وَلَوْ بِنَجَاسَةٍ لِعَدَمِ ثُبُوتِ نَهْيٍ فيه وَكَلَامُهُمْ شَامِلٌ لِلنَّجَاسَةِ الْغِلْظَةِ وَفِيهِ وَقْفَةٌ
بَابُ بَيَانِ النَّجَاسَةِ وَالْمَاءِ النَّجِسِ عَرَّفَهَا بَعْضُهُمْ بِكُلِّ عَيْنٍ حَرُمَ تَنَاوُلُهَا مُطْلَقًا في حَالَةِ الِاخْتِيَارِ مع سُهُولَةِ تَمْيِيزِهَا وَإِمْكَانِ تَنَاوُلِهَا لَا لِحُرْمَتِهَا وَلَا لِاسْتِقْذَارِهَا وَلَا لِضَرَرِهَا في بَدَنٍ أو عَقْلٍ فَاحْتَرَزَ بِمُطْلَقًا عَمَّا يُبَاحُ قَلِيلُهُ كَبَعْضِ النَّبَاتَاتِ السُّمِّيَّةِ وبحالة الِاخْتِيَارِ عن حَالَةِ الضَّرُورَةِ فَيُبَاحُ فيها تَنَاوُلُ النَّجَاسَةِ بِسُهُولَةِ تَمْيِيزِهَا عن دُودِ الْفَاكِهَةِ وَنَحْوِهَا فَيُبَاحُ تَنَاوُلُهُ مَعَهَا وَهَذَانِ الْقَيْدَانِ لِلْإِدْخَالِ لَا لِلْإِخْرَاجِ وَبِإِمْكَانِ تَنَاوُلِهَا عن الْأَشْيَاءِ الصُّلْبَةِ كَالْحَجَرِ وَبِالْبَقِيَّةِ عن الْآدَمِيِّ وَعَنْ الْمُخَاطِ وَنَحْوِهِ وَعَنْ الْحَشِيشَةِ الْمُسْكِرَةِ وَالسُّمِّ الذي يَضُرُّ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ وَالتُّرَابِ فإنه لم يُحَرَّمْ تَنَاوُلُهَا لِنَجَاسَتِهَا بَلْ لِحُرْمَةِ الْآدَمِيِّ وَاسْتِقْذَارِ الْمُخَاطِ وَنَحْوِهِ وَضَرَرِ الْبَقِيَّةِ وَعَرَّفَهَا الْمُصَنِّفُ كَأَصْلِهِ بِالْعَدِّ فقال مُبْتَدِئًا بِتَقْسِيمِ ما يَشْمَلُهَا وَغَيْرَهَا الْأَعْيَانُ جَمَادٌ وَحَيَوَانٌ فَالْجَمَادُ طَاهِرٌ على الْأَصْلِ فيها إذْ الْأَصْلُ فيها الطَّهَارَةُ لِأَنَّهَا خُلِقَتْ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ وَلَوْ من بَعْضِ الْوُجُوهِ قال تَعَالَى هو الذي خَلَقَ لَكُمْ ما في الْأَرْضِ جميعا
وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الِانْتِفَاعُ أو يَكْمُلُ بِالطَّهَارَةِ لَا خَمْرٌ وَهِيَ الْمُشْتَدُّ من مَاءِ الْعِنَبِ وَلَوْ مُحْتَرَمَةً وَبِبَاطِنِ حَبَّاتِ عُنْقُودٍ فَنَجِسَةٌ تَغْلِيظًا وَزَجْرًا عنها كَالْكَلْبِ وَلِأَنَّهَا رِجْسٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَالرِّجْسُ النَّجِسُ وَالْمُحْتَرَمَةُ قال الشَّيْخَانِ في الْغَصْبِ هِيَ ما عُصِرَ لَا بِقَصْدِ الْخَمْرِيَّةِ وفي الرَّهْنِ ما عُصِرَ بِقَصْدِ الْخَلِّيَّةِ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ النَّوَوِيُّ في