كما يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْعِمْرَانِيِّ وَغَيْرِهِ فَلَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا
وَإِنْ نَفَرَ من مِنَى ولم يَطُفْ الْوَدَاعَ جَبَرَ بِالدَّمِ لِتَرْكِهِ نُسُكًا وَاجِبًا فَعَلِمَ أَنَّهُ لو أَرَادَ الرُّجُوعَ إلَى بَلَدِهِ من مِنًى لَزِمَهُ طَوَافُ الْوَدَاعِ وَإِنْ كان قد طَافَهُ قبل عَوْدِهِ من مَكَّةَ إلَى مِنًى كما صَرَّحَ بِهِ في الْمَجْمُوعِ فَإِنْ عَادَ بَعْدَ خُرُوجِهِ من مَكَّةَ أو مِنًى بِلَا وَدَاعٍ قبل مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَطَافَ لِلْوَدَاعِ سَقَطَ عنه الدَّمُ لِأَنَّهُ في حُكْمِ الْمُقِيمِ وَكَمَا لو جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غير مُحْرِمٍ ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ لَا إنْ عَادَ بَعْدَهَا فَلَا يَسْقُطُ عنه الدَّمُ لِاسْتِقْرَارِهِ بِالسَّفَرِ الطَّوِيلِ وما قِيلَ فِيمَا إذَا عَادَ قَبْلَهَا من أَنَّ في تَعْلِيلِ سُقُوطِ الدَّمِ عنه بِأَنَّهُ في حُكْمِ الْمُقِيمِ نَظَرٌ إذَا سَوَّيْنَا بين السَّفَرِ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ في وُجُوبِ الْوَدَاعِ قد يُدْفَعُ بِأَنَّ سَفَرَهُ هُنَا لم يَتِمَّ لِعَوْدِهِ بِخِلَافِهِ ثَمَّ وَبِأَنَّ في اسْتِقْرَارِ الدَّمِ إشْغَالُ الذِّمَّةِ وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهَا فَلَا يَلْزَمُ من جَعْلِهِ كَالْمُقِيمِ في دَفْعِ إشْغَالِهَا جَعْلُهُ كَذَلِكَ في دَفْعِ وُجُوبِ طَوَافِ الْوَدَاعِ الْمُنَاسِبِ لِمُفَارَقَةِ مَكَّةَ لَكِنْ لَا وفي نُسْخَةٍ وَهِيَ الْأَوْلَى وَلَا يَجِبُ على من وَصَلَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ الْعَوْدُ لِلْمَشَقَّةِ بِخِلَافِ من لم يُصَلِّهَا يَجِبُ عليه الْعَوْدُ إنْ خَرَجَ نَاسِيًا أو جَاهِلًا لِطَوَافِ الْوَدَاعِ
وَلَا يَلْزَمُ الطَّوَافُ حَائِضًا طَهُرَتْ خَارِجَ مَكَّةَ وَلَوْ في الْحَرَمِ لِمَا رَوَى الشَّيْخَانِ عن ابْنِ عَبَّاسٍ أَمَرَ الناس أَنْ يَكُونَ أَخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ إلَّا أَنَّهُ خَفَّفَ عن الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ صَفِيَّةَ حَاضَتْ فَأَمَرَهَا النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنْ تَنْصَرِفَ بِلَا وَدَاعٍ بِخِلَافِ ما لو طَهُرَتْ قبل خُرُوجِهَا وَكَالْحَائِضِ النُّفَسَاءُ ذَكَرَهُ في الْمَجْمُوعِ وَتَقَدَّمَ في بَابِ الْحَيْضِ أَنَّ لِلْمُتَحَيِّرَةِ أَنْ تَطُوفَ قال الرُّويَانِيُّ فَإِنْ لم تَطُفْ طَوَافَ الْوَدَاعِ فَلَا دَمَ عليها لِلْأَصْلِ
وَمَنْ مَكَثَ وَلَوْ نَاسِيًا أو جَاهِلًا أو لِعِيَادَةِ مَرِيضٍ أو زِيَارَةِ صَدِيقٍ بَعْدَهُ أَيْ بَعْدَ طَوَافِ الْوَدَاعِ الْمَتْبُوعِ بِرَكْعَتَيْهِ وَبِمَا يَأْتِي في الْفَرْعِ الْآتِي أَعَادَةً وُجُوبًا لِخَبَرِ مُسْلِمٍ السَّابِقِ وَلِخُرُوجِهِ بِذَلِكَ عن كَوْنِهِ وَدَاعًا لَا إنْ مَكَثَ لِشِرَاءِ زَادٍ وَشَدِّ رَحْلٍ وَنَحْوِهِمَا من أَشْغَالِ السَّفَرِ وَصَلَاةُ جَمَاعَةٍ أُقِيمَتْ لِأَنَّ الْمَشْغُولَ بِذَلِكَ غَيْرُ مُقِيمٍ قال في الْمُهِمَّاتِ وَتَقَدَّمَ في الِاعْتِكَافِ أَنَّ عِيَادَةَ الْمَرِيضِ إذَا لم يُعْرِجْ لها لَا تَقْطَعُ الْوَلَاءَ بَلْ يُغْتَفَرُ صَرْفُ قَدْرِهَا في سَائِرِ الْأَغْرَاضِ وَكَذَا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ فَيُجْزِئُ ذلك هُنَا بِالْأَوْلَى وقد نَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ في الْإِمْلَاءِ
انْتَهَى
وَلَيْسَ طَوَافُ الْوَدَاعِ من الْمَنَاسِكِ أَيْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بَلْ هو عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فَمَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ من مَكَّةَ إلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ قال في الْمَجْمُوعِ أو دُونَهَا على الصَّحِيحِ وَدَّعَ مَكِّيًّا كان أو آفَاقِيًّا تَعْظِيمًا لِلْحَرَمِ وَتَشْبِيهًا لِاقْتِضَاءِ خُرُوجِهِ الْوَدَاعَ بِاقْتِضَاءِ دُخُولِهِ الْإِحْرَامَ وَلَاتِّفَاقِهِمْ على أَنَّ قَاصِدَ الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ لَا يُؤْمَرُ وَلَوْ كان منها لَأُمِرَ بِهِ هذا ما صَحَّحَهُ الشَّيْخَانِ وَنُقِلَا عن صَاحِبَيْ التَّتِمَّةِ وَالتَّهْذِيبِ وَغَيْرِهِمَا وَنُقِلَا عن الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ وَأَنَّهُ منها وَيَخْتَصُّ بِمَنْ يُرِيدُ الْخُرُوجَ من ذَوِي النُّسُكِ قال السُّبْكِيُّ وَهَذَا هو الذي تَظَاهَرَتْ عليه نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ ولم أَرَ من قال إنَّهُ ليس منها إلَّا الْمُتَوَلِّي فَجَعَلَهُ تَحِيَّةً لِلْبُقْعَةِ مع أَنَّهُ يُمْكِنُ تَأْوِيلُ كَلَامِهِ بِأَنَّهُ ليس منها رُكْنًا كما قال غَيْرُهُ إنَّهُ ليس بِرُكْنٍ وَلَا شَرْطٍ قال وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ الشَّيْخَيْنِ بِأَنَّهُ لو كان منها لَأَمَرَ بِهِ قَاصِدَ الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ فَمَمْنُوعٌ لِأَنَّهُ إنَّمَا شُرِعَ لِلْمُفَارَقَةِ ولم تَحْصُلْ كما أَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ لَا يُشْرَعُ لِلْمُحْرِمِ من مَكَّةَ يَلْزَمُهُمَا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يُجْبَرُ بِدَمٍ وَلَا قَائِلَ بِهِ وَذَكَرَ زِيَادَةً على ذلك ذَكَرْتُهَا في شَرْحِ الْبَهْجَةِ وَذَكَرَ نَحْوَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرَهُ وهو ما جَرَى عليه النَّوَوِيُّ في مَنَاسِكِهِ وفي مَجْمُوعِهِ في كَلَامِهِ على أَعْمَالِ الْحَجِّ وَاقْتِضَاءُ كَلَامِ الْأَصْلِ آخِرَ الْبَابِ وهو الْمُعْتَمَدُ وما نُقِلَ عن التَّهْذِيبِ من أَنَّهُ ليس منها لم أَرَ التَّصْرِيحَ بِهِ فيه أَنَّهُ نُسُكٌ حَيْثُ قال وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَوَافِ الْقُدُومِ حَيْثُ لَا يَجِبُ أَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ تَحِيَّةَ الْبَيْتِ وهو يَسْقُطُ بِطَوَافِ الْعُمْرَةِ وَطَوَافُ الْوَدَاعِ نُسُكٌ لَا يَسْقُطُ بِطَوَافٍ آخَرَ وَاجِبٌ
انْتَهَى وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ في أَنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ أو لَا وفي أَنَّهُ يَلْزَمُ الْأَجِيرَ فِعْلُهُ أو لَا وفي أَنَّهُ يُحَطُّ شَيْءٌ