لَا يُثَابُ ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ وَلَا تَحَلُّلَ من الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ دُونَهُ كَسَائِرِ أَرْكَانِهِمَا إلَّا لِمَنْ لَا شَعْرَ بِرَأْسِهِ فَيَتَحَلَّلُ مِنْهُمَا بِدُونِهِ فَلَا يُؤْمَرُ بِهِ بَعْدَ نَبَاتِ شَعْرِهِ كما سَيَأْتِي وَلَا يَفْدِي عَاجِزٌ عن أَخْذِهِ لِجِرَاحَةٍ أو نَحْوِهَا بَلْ يَصْبِرُ إلَى قُدْرَتِهِ وَلَا يَسْقُطُ عنه وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ لَا شَعْرَ بِرَأْسِهِ أَنْ يُمِرَّ الْمُوسَى عليه تَشْبِيهًا بِالْحَالِقِينَ قال النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ وَالْمُوسَى يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ قال الْإِسْنَوِيُّ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لو كان بِبَعْضِ رَأْسِهِ شَعْرٌ لَا يُسْتَحَبُّ إمْرَارُ الْمُوسَى على الْبَاقِي وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنْ كما يُسْتَحَبُّ الْحَلْقُ في الْجَمِيعِ يُسْتَحَبُّ إمْرَارُ الْمُوسَى عليه لِلْمَعْنَى الذي قَالُوهُ
انْتَهَى وَإِنَّمَا لم يَجِبْ الْإِمْرَارُ لِأَنَّ ذلك فَرْضٌ تَعَلَّقَ بِجُزْءِ آدَمِيٍّ فَسَقَطَ بِفَوَاتِهِ كَغَسْلِ الْيَدِ في الْوُضُوءِ وَأَمَّا خَبَرُ الْمُحْرِمِ إذَا لم يَكُنْ على رَأْسِهِ شَعْرٌ يُمِرُّ الْمُوسَى على رَأْسِهِ فَمَوْقُوفٌ ضَعِيفٌ وَلَوْ صَحَّ حُمِلَ على النَّدْبِ فَإِنْ قُلْت قِيَاسُ وُجُوبِ مَسْحِ الرَّأْسِ في الْوُضُوءِ عِنْدَ فَقْدِ شَعْرِهِ الْوُجُوبُ هُنَا قُلْنَا مَمْنُوعٌ لِأَنَّ الْفَرْضَ تَعَلَّقَ ثَمَّ بِالرَّأْسِ وَهُنَا بِشَعْرِهِ وَلِأَنَّ من مَسَحَ بَشَرَةَ الرَّأْسِ يُسَمَّى مَاسِحًا وَمَنْ مَرَّ بِالْمُوسَى عليه لَا يُسَمَّى حَالِقًا وَأَنْ يَأْخُذَ من لَا شَعْرَ بِرَأْسِهِ من لِحْيَتِهِ وَشَارِبِهِ لِئَلَّا يَخْلُوَ من أَخْذِ الشَّعْرِ قال في الْمَجْمُوعِ وَأَلْحَقَ بِهِ الْمُتَوَلِّي سَائِرَ ما يُزَالُ لِلْفِطْرَةِ كَالْعَانَةِ لِمَا ذَكَرَ وَالْوَجْهُ أَنَّهُ لَا يُقَيَّدُ بِمَا يُزَالُ لِلْفِطْرَةِ الْوَاوُ في وَشَارِبِهِ بِمَعْنَى أو وَلَوْ عَبَّرَ بها كَأَصْلِهِ كان أَوْلَى وَلَا أَثَرَ لِمَا نَبَتَ بَعْدُ أَيْ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الْحَلْقِ فَلَا يُؤْمَرُ بِحَلْقِهِ لِعَدَمِ اشْتِمَالِ الْإِحْرَامِ عليه
وَيُجْزِئُ التَّقْصِيرُ عن الْحَلْقِ وَإِنْ لَبَّدَ رَأْسَهُ وَلَا عِبْرَةَ بِكَوْنِ التَّلْبِيدِ لَا يَفْعَلُهُ إلَّا الْعَازِمُ على الْحَلْقِ غَالِبًا بِخِلَافِ نَذْرِهِ كما سَيَأْتِي الْوَاجِبُ الْحَلْقُ وَالتَّقْصِيرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ وَلِأَنَّهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم حَلَقَ هو وَبَعْضُ أَصْحَابِهِ وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وهو أَيْ التَّقْصِيرُ لِلْمَرْأَةِ أَفْضَلُ من الْحَلْقِ رُوِيَ عن أبو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ خَبَرُ ليس على النِّسَاء حَلْقٌ إنَّمَا عَلَيْهِنَّ التَّقْصِيرُ يُكْرَهُ لها الْحَلْقُ لِنَهْيِهَا عن التَّشَبُّهِ بِالرِّجَالِ وَلِخَبَرِ مُسْلِمٍ من عَمِلَ عَمَلًا ليس عليه أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ وَالْخُنْثَى كَالْمَرْأَةِ ذَكَرَ ذلك في الْمَجْمُوعِ كَالْحَلْقِ لِلرَّجُلِ فإنه أَفْضَلُ من التَّقْصِيرِ لِظَاهِرِ الْآيَةِ السَّابِقَةِ إذْ الْعَرَبُ تَبْدَأُ بِالْأَهَمِّ وَالْأَفْضَلِ وَلِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَرَوَيَا أَنَّهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ قالوا يا رَسُولَ اللَّهِ الْمُقَصِّرِينَ فقال اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ قال في الرَّابِعَةِ وَالْمُقَصِّرِينَ نعم إنْ اعْتَمَرَ قبل الْحَجِّ في وَقْتٍ لو حَلَقَ فيه جاء يَوْمُ النَّحْرِ ولم يَسْوَدَّ رَأْسُهُ من الشَّعْرِ فَالتَّقْصِيرُ أَفْضَلُ نَقَلَهُ الْإِسْنَوِيُّ عن نَصِّ الشَّافِعِيِّ في الْإِمْلَاءِ قال في وقد تَعَرَّضَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلْمَسْأَلَةِ لَكِنَّهُ أَطْلَقَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُتَمَتِّعِ أَنْ يُقَصِّرَ في الْعُمْرَةِ وَيَحْلِقَ في الْحَجِّ لِيَقَعَ الْحَلْقُ في أَكْمَلِ الْعِبَادَتَيْنِ
قال الزَّرْكَشِيُّ وَيُؤْخَذُ مِمَّا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ أَنَّ مثله يَأْتِي فِيمَا لو قَدَّمَ الْحَجَّ على الْعُمْرَةِ قال وَإِنَّمَا لم يُؤْمَرْ في ذلك بِحَلْقِ بَعْضِ رَأْسِهِ في الْحَجِّ وَبِحَلْقِ بَعْضِهِ في الْعُمْرَةِ لِأَنَّهُ يُكْرَهُ الْقَزَعُ نعم لو خُلِقَ له رَأْسَانِ فَحَلَقَ أَحَدَهُمَا في الْعُمْرَةِ وَالْآخَرَ في الْحَجِّ لم يُكْرَهْ لِانْتِفَاءِ الْقَزَعِ وَيَكُونُ ذلك مُسْتَثْنًى من كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وما مَرَّ من تَخْيِيرِ الرَّجُلِ بين الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ مَحَلُّهُ إذَا لم يَنْذُرْ الْحَلْقَ فَإِنْ نَذَرَهُ وَجَبَ لِأَنَّهُ في حَقِّهِ قُرْبَةٌ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى ولم يُجْزِهِ عنه الْقَصُّ وَنَحْوُهُ مِمَّا لَا يُسَمَّى حَلْقًا كَنَتْفٍ وَإِحْرَاقٍ كما صَرَّحَ بِهِمَا الْأَصْلُ إذْ الْحَلْقُ اسْتِئْصَالُ الشَّعْرِ