من مَالِهِ فِيهِمَا لم يَسْتَحِقَّ شيئا من الزَّكَاةِ لِأَنَّهُ لم يَبْقَ غَارِمًا في الْأُولَى وَلَيْسَ غَارِمًا في الثَّانِيَةِ فَإِطْلَاقُ الْغَارِمِ عليه فيها مَجَازٌ وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ الْغَارِمَ إنَّمَا يُعْطَى عِنْدَ بَقَاءِ الدَّيْنِ وَبِهِ صَرَّحَ أَصْلُهُ
نعم إنْ قَضَاهُ بِقَرْضٍ أُعْطِيَ أَخْذًا من كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ السَّابِقِ وَكَذَا لو مَاتَ لَا يَسْتَحِقُّ شيئا وَإِنْ لم يَخْلُفْ وَفَاءً لِدَيْنِهِ وهو ظَاهِرٌ إنْ مَاتَ ولم يَتَعَيَّنْ لِلزَّكَاةِ بِالْبَلَدِ وَإِلَّا فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْضَى دِينُهُ منه لِاسْتِحْقَاقِهِ له قبل مَوْتِهِ مع بَقَاءِ حَاجَتِهِ وَبِهَذَا فَارَقَ نَظِيرَهُ في الْمُكَاتَبِ وَالْغَازِي وَابْنِ السَّبِيلِ حَيْثُ يَنْقَطِعُ حَقُّهُمْ وفي إقْرَاءِ الْوَجْهِ قَوْلٌ أَصْلُهُ وفي قِرَى الضَّيْفِ وَعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ وَبِنَاءِ الْقَنْطَرَةِ وَفَكِّ الْأَسِيرِ وَنَحْوِهَا من الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ يُعْطَى الْمُسْتَدِينُ لها من الزَّكَاةِ عِنْدَ الْعَجْزِ عن النَّقْدِ لَا عن غَيْرِهِ كَالْعَقَارِ وَعَلَى هذا جَرَى الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا وقال السَّرَخْسِيُّ حُكْمُهُ حُكْمُ ما اسْتَدَانَهُ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ وَحَكَى في الْأَصْلِ الْمَقَالَتَيْنِ بِلَا تَرْجِيحٍ وَقَدَّمَ الثَّانِيَةَ وَلِتَقْدِيمِهَا فَهِمَ شَيْخُنَا أبو عبد اللَّهِ الْحِجَازِيُّ في مُخْتَصَرِ الرَّوْضَةِ أنها الْمُعْتَمَدَةُ فَرَجَّحَهَا عَكْسُ ما فَعَلَ الْمُصَنِّفُ وَبِهِ جَزَمَ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ وقال الْأَذْرَعِيُّ الذي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْأَكْثَرِينَ ما قَالَهُ السَّرَخْسِيُّ
قال وَالْحَاصِلُ من كَلَامِهِمْ في ذلك طَرِيقَانِ أَشْهُرُهُمَا أَنَّهُ كما لو اسْتَدَانَهُ لِنَفْسِهِ وَثَانِيهِمَا طَرِيقَةُ الْمَاوَرْدِيِّ وَهِيَ طَرِيقَةٌ مُتَرَدِّدَةٌ بين اسْتِدَانَتِهِ لِنَفْسِهِ وَاسْتِدَانَتِهِ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ
فَرْعٌ وَإِنْ بَانَ الْقَابِضُ لِلزَّكَاةِ من الْمَالِكِ غَنِيًّا أو غير غَارِمٍ أو غَيْرَهُ مِمَّنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا لم يُجْزِهِ وَإِنْ أَعْطَاهُ إيَّاهَا بِبَيِّنَةٍ شَهِدَتْ بِالْوَصْفِ الذي أَعْطَاهُ بِهِ لِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ وَخَرَجَ بِالْمَالِكِ الْإِمَامُ وَسَيَأْتِي أَوَاخِرَ الْبَابِ وفي مَعْنَى الْمَالِكِ وَلِيُّهُ وَوَكِيلُهُ وَإِنْ دَفَعَهَا لِمَدْيُونِهِ وَشَرَطَ أَنْ يُعْطِيَهُ إيَّاهَا عن دَيْنِهِ لم يُجِزْهُ وَلَا يَصِحُّ قَضَاءُ الدَّيْنِ بها كما صَرَّحَ بِهِ أَصْلُهُ لَا إنْ نَوَيَا ذلك ولم يَشْتَرِطَاهُ فإنه يُجْزِئُ وَيَصِحُّ الْقَضَاءُ بها وَإِنْ وَعَدَهُ الْفَقِيرُ بِلَا شَرْطٍ من الْمَالِكِ بِأَنْ قال له أَعْطِنِي من زَكَاتِك حتى أَقْضِيَك دَيْنَك وَأَعْطَاهُ الْمَالِكُ أَجْزَأَهُ عنها وَلَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ وَالتَّعْبِيرِ بِالْفَقِيرِ من تَصَرُّفِهِ وَالْمُنَاسِبُ التَّعْبِيرُ بِالْمَدْيُونِ كما عَبَّرَ بِهِ أَصْلُهُ
وَلَوْ قال الْغَرِيمُ لِمَدْيُونِهِ اقْضِنِي دَيْنِي الذي عَلَيْك وَأَرُدُّهُ لَك زَكَاةً فَأَعْطَاهُ بَرِئَ من الدَّيْنِ وَلَا يَلْزَمُهُ إعْطَاؤُهُ وَلَوْ قال لِفَقِيرٍ له عِنْدَهُ حِنْطَةٌ وَدِيعَةٌ اكْتَلْ لِنَفْسِك مِمَّا أَوْدَعْتُك إيَّاهُ صَاعًا مَثَلًا وَخُذْهُ لَك وَنَوَى بِهِ الزَّكَاةَ فَفَعَلَ أو قال جَعَلْت دَيْنِي الذي عَلَيْك زَكَاةً لم يُجْزِهِ
أَمَّا في الْأُولَى فَلِانْتِفَاءِ كَيْلِهِ له وَكَيْلُهُ لِنَفْسِهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَالتَّرْجِيحُ فيها من زِيَادَتِهِ
وَأَمَّا في الثَّانِيَةِ فَلِأَنَّ ما ذُكِرَ فيها إبْرَاءٌ لَا تَمْلِيكٌ وَإِقَامَتُهُ مَقَامَهُ إبْدَالٌ وهو مُمْتَنِعٌ في الزَّكَاةِ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ في بَابِ الْهِبَةِ عن صَاحِبِ التَّقْرِيبِ وَطَرِيقُ الْأَجْزَاءِ فيها أَنْ يَقْبِضَ الدَّيْنَ ثُمَّ يَرُدَّهُ إلَيْهِ إنْ شَاءَ ذَكَرَهُ في الرَّوْضَةِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ لِلْفَقِيرِ خُذْ ما اكْتَلْتَ لي بِأَنْ وَكَّلَهُ بِقَبْضِ صَاعِ حِنْطَةٍ مَثَلًا فَقَبَضَهُ أو بِشِرَائِهِ فَاشْتَرَاهُ وَقَبَضَهُ فقال له الْمُوَكِّلُ خُذْهُ لِنَفْسِك وَنَوَاهُ زَكَاةً فإنه يُجْزِئُ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى كَيْلِهِ لِنَفْسِهِ وَإِنْ ضَمِنَ دِيَةَ قَتِيلٍ عن قَاتِلٍ يُعْرَفُ لم يُعْطَ مع الْغِنَى بِشَرْطٍ زَادَهُ بِقَوْلِهِ إنْ كان هُنَاكَ حَاكِمٌ يُسْكِنُ الْفِتْنَةَ وَإِلَّا أُعْطِيَ مع الْغِنَى لِحَاجَتِنَا إلَيْهِ وَيَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا كان هُنَاكَ كَبِيرٌ يُصْلِحُ بين الناس يُغْنِي عن الْحَاكِمِ عِنْدَ فَقْدِهِ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ يُعْرَفُ ما إذَا لم يُعْرَفْ فَيُعْطَى من ضَمِنَ عنه مع الْغِنَى كما مَرَّ هذا وَالتَّفْصِيلُ بين مَعْرِفَتِهِ وَعَدَمِهَا قال في الرَّوْضَةِ فيه نَظَرٌ وفي الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِمَعْرِفَتِهِ وَعَدَمِهَا أَيْ فَيُعْطَى مع الْغِنَى مُطْلَقًا الصِّنْفُ السَّابِع في سَبِيلِ اللَّهِ وفي نُسْخَةٍ سَبِيلُ اللَّهِ بِتَرْكِ في وَهُمْ الْغُزَاةُ الْمُتَطَوِّعُونَ أَيْ الَّذِينَ لَا رِزْقَ لهم في الْفَيْءِ فَيُعْطَوْنَ وَإِنْ أَيْسَرُوا وفي نُسْخَةٍ وَلَوْ أَغْنِيَاءَ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَإِعَانَةً لهم على الْغَزْوِ وَتَحْرُمُ الزَّكَاةُ على الْغَازِي الْمُرْتَزِقِ وَلَوْ كان عَامِلًا كما يَحْرُمُ صَرْفُ شَيْءٍ من الْفَيْءِ لِلْمُتَطَوِّعِ فإذا عُدِمَ الْفَيْءُ وَاضْطُرِرْنَا إلَى الْمُرْتَزِقِ لِيَكْفِيَنَا شَرَّ الْكُفَّارِ