فَصَحَّحَ أنها إفْرَازٌ وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ في بَابِهَا وَلَوْ تَلِفَتْ في يَدِ السَّاعِي فَقِيمَتُهَا يَرُدُّهَا كما نَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ بِنَاءً على أنها مُتَقَوِّمَةٌ وهو ما اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ كَأَصْلِهِ هُنَا في مَوْضِعَيْنِ وَصَحَّحَهُ في الْمَجْمُوعِ وقال الْإِسْنَوِيُّ إنَّهُ الْأَصَحُّ الْمُفْتَى بِهِ لَكِنَّهُ أَعْنِي الْمُصَنِّفَ صَحَّحَ كَأَصْلِهِ في بَابِ الْغَضَبِ أنها مِثْلِيَّةٌ وَالْقَائِلُ بِهِ حَمَلَ النَّصَّ على فَقْدِ الْمِثْلِ وَلَوْ جَفَّفَهَا ولم تَنْقُصْ أو نَقَصَتْ كما فُهِمَ بِالْأَوْلَى لم تُجْزِهِ هذا وَجْهٌ اخْتَارَهُ الْأَصْلُ وَمَنْقُولُ الْعِرَاقِيِّينَ خِلَافُهُ وَعِبَارَةُ الْأَصْلِ وَلَوْ جَفَّ عِنْدَ السَّاعِي فَإِنْ كان قَدْرَ الزَّكَاةِ أَجْزَأَ وَإِلَّا رَدَّ التَّفَاوُتَ أو أَخَذَهُ كَذَا قَالَهُ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْأَوْلَى وَجْهٌ ذَكَرَهُ ابن كَجٍّ أَنَّهُ لَا تُجْزِئُ بِحَالِ الْفَسَادِ الْقَبْضُ من أَصْلِهِ انْتَهَى وَحَكَى في الْمَجْمُوعِ كَلَامَ الْعِرَاقِيِّينَ ثُمَّ كَلَامَ ابْنِ كَجٍّ وَاخْتِيَارَ الرَّافِعِيِّ له ثُمَّ قال وَالْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ
فَصْلٌ لَا خَرْصَ أَيْ حِرْزَ في الزَّرْعِ لِاسْتِتَارِ حَبِّهِ وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ غَالِبًا رَطْبًا بِخِلَافِ التَّمْرِ وَيُسْتَحَبُّ خَرْصُ الثَّمَرَةِ على مَالِكِهَا بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ لِخَبَرِ التِّرْمِذِيِّ الْمُشَارِ إلَيْهِ قَرِيبًا وَخَبَرِ أبي دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ أَنَّهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم كان يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بن رَوَاحَةَ إلَى خَيْبَرَ خَارِصًا وَحِكْمَتُهُ الرِّفْقُ بِالْمَالِكِ وَالْمُسْتَحِقِّ وَاسْتَثْنَى الْمَاوَرْدِيُّ ثِمَارَ الْبَصْرَةِ فقال يَحْرُمُ خَرْصُهَا بِالْإِجْمَاعِ لِكَثْرَتِهَا وَلِكَثْرَةِ الْمُؤْنَةِ في خَرْصِهَا وَلِإِبَاحَةِ أَهْلِهَا الْأَكْلَ منها لِلْمُجْتَازِ وَتَبِعَهُ عليه الرُّويَانِيُّ قَالَا وَهَذَا في النَّخْلِ أَمَّا الْكَرْمُ فَهُمْ فيه كَغَيْرِهِمْ قال السُّبْكِيُّ وَعَلَى هذا يَنْبَغِي إذَا عُرِفَ من شَخْصٍ أو بَلَدٍ ما عُرِفَ من أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَجْرِي عليه حُكْمُهُمْ انْتَهَى وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ يُخَالِفُ ذلك وَخَرَجَ بِبَعْدِ بُدُوِّ الصَّلَاحِ ما قَبْلَهُ فإن الْخَرْصَ لَا يَتَأَتَّى فيه إذْ لَا حَقَّ لِلْمُسْتَحِقِّينَ وَلَا يَنْضَبِطُ الْمِقْدَارُ لِكَثْرَةِ الْعَاهَاتِ قبل بُدُوِّ الصَّلَاحِ عليه وَعَلَيْهِ أَيْ الْخَارِصِ أَنْ يُشَاهِدَ كُلَّ وَاحِدَةٍ من الْأَشْجَارِ بِأَنْ يَرَى جَمِيعَ عَنَاقِيدِهَا وَيُقَدِّرَ ثَمَرَتَهَا أو ثَمَرَةَ كل النَّوْعِ رَطْبًا بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الطَّاءِ ثُمَّ يَابِسًا لِأَنَّ الْأَرْطَابَ تَتَفَاوَتُ وَإِنَّمَا جَازَ في النَّوْعِ أَنْ يَخْرُصَ الْكُلَّ رَطْبًا ثُمَّ يَابِسًا لِأَنَّ لَحْمَهُ لَا يَتَفَاوَتُ وَخَرْصُهُ كَذَلِكَ أَسْهَلُ لَكِنْ خَرْصُ كل ثَمَرَةٍ أَحْوَطُ وَلَا يَتْرُكُ لِلْمَالِكِ شيئا خِلَافًا لِمَا نَصَّ عليه في الْقَدِيمِ من أَنَّهُ يَتْرُكُ له نَخْلَةً أو نَخَلَاتٍ يَأْكُلُهَا أَهْلُهُ لِخَبَرِ أبي دَاوُد وَغَيْرِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إذَا خَرَصْتُمْ فَجُذُّوا وَدَعُوا الثُّلُثَ فَإِنْ لم تَدَعُوا الثُّلُثَ فَدَعُوا الرُّبْعَ وَهَذَا الْخَبَرُ حَمَلَهُ الشَّافِعِيُّ في أَحَدِ نَصَّيْهِ في الْجَدِيدِ على أَنَّهُمْ يَدَعُونَ له ذلك لِيُفَرِّقَهُ بِنَفْسِهِ على فُقَرَاءِ أَقَارِبِهِ وَجِيرَانِهِ لِطَمَعِهِمْ في ذلك منه وَهَذَا ما زَادَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ لَا لِلتَّفْرِقَةِ
فَرْعٌ يَكْفِي الْخَارِصَ وَاحِدٌ لِأَنَّ الْخَرْصَ يَنْشَأُ عن اجْتِهَادٍ فَكَانَ كَالْحَاكِمِ وَلِخَبَرِ أبي دَاوُد السَّابِقِ قال الرَّافِعِيُّ وما رُوِيَ أَنَّهُ بَعَثَ مع ابْنِ رَوَاحَةَ غَيْرَهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ في مَرَّةٍ أُخْرَى وَأَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا أو كَاتِبًا وَيُشْتَرَطُ عَدْلٌ في الرِّوَايَةِ لِأَنَّ الْفَاسِقَ وَالْكَافِرَ وَالصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُمْ عَالِمٌ بِالْخَرْصِ لِأَنَّ الْجَاهِلَ بِالشَّيْءِ ليس من أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فيه وَكَذَا يُشْتَرَطُ حُرٌّ ذَكَرٌ لِأَنَّ الْخَرْصَ وِلَايَةٌ وَغَيْرُ الْحُرِّ الذَّكَرِ ليس من أَهْلِهَا
فَرْعٌ الْخَرْصُ لِلتَّضْمِينِ يَنْتَقِلُ بِهِ الْحَقُّ من الْعَيْنِ إلَى ذِمَّةِ الْمَالِكِ لِأَنَّ الْخَرْصَ يُسَلِّطُهُ على التَّصَرُّفِ في الْجَمِيعِ كما سَيَأْتِي لَا لِلِاعْتِبَارِ لِلْمِقْدَارِ من غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِلَ بِهِ الْحَقُّ إلَى الذِّمَّةِ وَهُمَا قَوْلَانِ وَعَلَى الْأَوَّلِ الْأَظْهَرُ فَيُشْتَرَطُ فيه تَضْمِينُ الْخَارِصِ الْحَقَّ لِلْمَالِكِ إنْ أَذِنَ له الْإِمَامُ أو السَّاعِي كَأَنْ يَقُولَ ضَمَّنْتُك نَصِيبَ الْمُسْتَحِقِّينَ من الرُّطَبِ بِكَذَا تَمْرًا وَقَبُولُ الْمَالِكِ وَلَوْ بِنَائِبِهِ لِذَلِكَ لِأَنَّ الْحَقَّ يَنْتَقِلُ إلَى الذِّمَّةِ كما قال وَحِينَئِذٍ يَنْتَقِلُ إلَى ذِمَّتِهِ فَلَا بُدَّ من رِضَاهُمَا كَالْمُتَبَايِعِينَ وَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ في الْجَمِيعِ لِانْقِطَاعِ التَّعَلُّقِ عن الْعَيْنِ فَإِنْ انْتَفَى الْخَرْصُ