وَأَسْقَاهُ دَلَّهُ على الْمَاءِ وَالْأَصْلُ في الْبَابِ قبل الْإِجْمَاعِ وَالِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا الِاسْتِسْقَاء ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ ثَابِتَةٍ بِالْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ أَدْنَاهَا يَكُونُ بِالدُّعَاءِ مُطْلَقًا عَمَّا يَأْتِي فُرَادَى أو مُجْتَمِعِينَ وأوسطها يَكُونُ بِالدُّعَاءِ خَلْفَ الصَّلَوَاتِ وَلَوْ نَافِلَةً كما في الْبَيَانِ وَغَيْرِهِ عن الْأَصْحَابِ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ لِلنَّوَوِيِّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ من تَقْيِيدِهِ بِالْفَرَائِضِ وفي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَنَحْوِ ذلك وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ بِالصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُمَا وَذَلِكَ أَيْ الِاسْتِسْقَاءُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِلْمُقِيمِينَ وَلَوْ بِقَرْيَةٍ أو بَادِيَةٍ وَالْمُسَافِرِينَ وَلَوْ سَفَرَ قَصْرٍ لِاسْتِوَاءِ الْكُلِّ في الْحَاجَةِ وَإِنَّمَا لم يَجِبْ لِمَا مَرَّ في الْعِيدِ هذا إنْ انْقَطَعَتْ الْمِيَاهُ أو مَلَحَتْ وَاحْتَاجُوا إلَيْهَا أو احْتَاجُوا إلَى الزِّيَادَةِ وَإِلَّا فَلَا اسْتِسْقَاءَ وَيَسْتَسْقُونَ يَعْنِي غَيْرُ الْمُحْتَاجِينَ بِالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا لِغَيْرِهِمْ أَيْضًا وَيَسْأَلُونَ الزِّيَادَةَ لِأَنْفُسِهِمْ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ كَالْعُضْوِ الْوَاحِدِ إذَا اشْتَكَى بَعْضُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ وَرَوَى مُسْلِمٌ خَبَرَ دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ قال الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ آمِينَ وَلَك بِمِثْلٍ قال الْأَذْرَعِيُّ وَيَظْهَرُ تَقْيِيدُ ذلك بِأَنْ لَا يَكُونَ الْغَيْرُ ذَا بِدْعَةٍ وَضَلَالَةٍ وَبَغْيٍ وَإِلَّا فَلَا يَسْتَسْقُونَ لهم تَأْدِيبًا وَزَجْرًا وَلِأَنَّ الْعَامَّةَ تَظُنُّ بِالِاسْتِسْقَاءِ لهم حُسْنَ طَرِيقَتِهِمْ وَالرِّضَا بِهِمْ وَفِيهِ مَفَاسِدُ فَإِنْ لم يُسْقَوْا في الْيَوْمِ الْأَوَّلِ صَلَّوْا وَخَطَبَ بِهِمْ الْإِمَامُ الْيَوْمَ الثَّانِي وما بَعْدَهُ هذا أَوْلَى من اقْتِصَارِ أَصْلِهِ على الثَّانِي وَالثَّالِثِ لِأَنَّ ما فَوْقَهُمَا كَذَلِكَ حتى يُسْقَوْا فإن اللَّهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ في الدُّعَاءِ وَلَا يَتَوَقَّفُونَ عن الْخُرُوجِ لِلصِّيَامِ أَيْ لِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ قَبْلَهُ وَقِيلَ يَتَوَقَّفُونَ وَهُمَا نَصَّانِ لِلشَّافِعِيِّ فَقِيلَ قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا الْأَوَّلُ وَعَلَيْهِ اخْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ كَشَيْخِنَا الْحِجَازِيِّ كَلَامَ الرَّوْضَةِ أَخْذًا بِظَاهِرِ هذا التَّرْجِيحِ مع غَفْلَةِ أَنَّهُ مُفَرَّعٌ على هذه الطَّرِيقَةِ وقال الْجُمْهُورُ كما في الْمَجْمُوعِ مُنَزَّلَانِ على حَالَيْنِ الثَّانِي على ما إذَا اقْتَضَى الْحَالُ التَّأْخِيرَ كَانْقِطَاعِ مَصَالِحِهِمْ وَالْأَوَّلُ على خِلَافِهِ وَوَافَقَهُمْ الْمُصَنِّفُ في شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَقِيلَ لَا خِلَافَ بَلْ الْأَوَّلُ مَحْمُولٌ على الْجَوَازِ وَالثَّانِي على النَّدْبِ وَعَلَى كل حَالٍ فَالْجُمْهُورُ قَطَعُوا بِاسْتِحْبَابِ تَكْرِيرِ الِاسْتِسْقَاءِ كما ذَكَرُوا لِمَرَّةِ الْأُولَى آكَدُ في الِاسْتِحْبَابِ ثُمَّ إذَا عَادُوا من الْغَدِ أو بَعْدَهُ يُنْدَبُ أَنْ يَكُونُوا صَائِمِينَ فيه فَرْعٌ وَإِنْ تَأَهَّبُوا لِلْخُرُوجِ لِلصَّلَاةِ فَسُقُوا قَبْلَهُ خَرَجُوا لِلْوَعْظِ وَالدُّعَاءِ وَالشُّكْرِ وصلوها شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى وَطَلَبًا لِلْمَزِيدِ قال تَعَالَى لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَخَطَبَ بِهِمْ لِذَلِكَ وَالتَّصْرِيحُ بِالْخُطْبَةِ من زِيَادَتِهِ فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْمُرَهُمْ الْإِمَامُ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ مع يَوْمِ الْخُرُوجِ لِأَنَّهُ مُعِينٌ على الرِّيَاضَةِ وَالْخُشُوعِ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عن أبي هُرَيْرَةَ خَبَرَ ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ الصَّائِمُ حتى يُفْطِرَ وَالْإِمَامُ الْعَادِلُ وَالْمَظْلُومُ وقال حَدِيثٌ حَسَنٌ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عن أَنَسٍ وقال دَعْوَةُ الصَّائِمِ وَالْوَالِدِ وَالْمُسَافِرِ وَالصَّوْمُ لَازِمٌ بِأَمْرِ الْإِمَامِ امْتِثَالًا له كما أَفْتَى بِهِ النَّوَوِيُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ الْآيَةَ قال في الْمُهِمَّاتِ وَهَلْ يَتَعَدَّى ذلك إلَى كل ما يَأْمُرُهُمْ بِهِ من الصَّدَقَةِ وَغَيْرِهَا لم يَخْتَصَّ بِالصَّوْمِ فيه نَظَرٌ انْتَهَى وَظَاهِرُ الْآيَةِ وَكَلَامُهُمْ في بَابِ الْإِمَامَةِ يَقْتَضِي التَّعَدِّي إلَى ذلك وقال الْإِسْنَوِيُّ في شَرْحِهِ إنَّهُ الْقِيَاسُ وما قَالَهُ النَّوَوِيُّ أَقَرَّهُ عليه جَمْعٌ منهم السُّبْكِيُّ وَالْقَمُولِيُّ وَالْإِسْنَوِيُّ وَالْبُلْقِينِيِّ في مَوْضِعٍ لَكِنَّهُ قال في آخَرَ إنَّهُ مَرْدُودٌ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ في الْأُمِّ وَبَلَغَنَا عن بَعْضِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ كان إذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَسْقِيَ أَمَرَ الناس فَصَامُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ وَتَقَرَّبُوا إلَى اللَّهِ بِمَا اسْتَطَاعُوا من خَيْرٍ ثُمَّ خَرَجُوا في الْيَوْمِ الرَّابِعِ فَاسْتَسْقَى بِهِمْ وأنا أُحِبُّ ذلك لهم وَآمُرُهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا في الْيَوْمِ الرَّابِعِ صِيَامًا من غَيْرِ أَنْ أُوجِبَ ذلك عليهم وَلَا على إمَامِهِمْ وهو صَرِيحٌ في عَدَمِ إيجَابِ ذلك انْتَهَى وَيُجَابُ بِأَنَّ كَوْنَهُ صَرِيحًا مُجَرَّدُ دَعْوَى وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ ظَاهِرٌ وَبِتَقْدِيرِ صَرَاحَتِهِ فَهُوَ مَحْمُولٌ بِقَرِينَةِ كَلَامِهِ في بَابِ الْبُغَاةِ على ما إذَا لم يَأْمُرْهُمْ الْإِمَامُ بِذَلِكَ وَيَدُلُّ له قَوْلُهُمْ في بَابِ الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى تَجِبُ طَاعَةُ الْإِمَامِ في أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ ما لم يُخَالِفْ حُكْمَ الشَّرْعِ وأن يَأْمُرَهُمْ بِالتَّوْبَةِ وَالْخُرُوجِ من الْمَظَالِمِ في الدَّمِ وَالْعِرْضِ وَالْمَالِ وَبِفِعْلِ الْخَيْرَاتِ