التَّحْرِيمُ كما صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ يُفْهِمُهُ فإنه ذَكَرَ في الْقِصَاصِ ما يُؤْخَذُ منه أَنَّ لَفْظَةَ أَسَاءَ لِلتَّحْرِيمِ لَكِنْ صَرَّحَ جَمَاعَةٌ بِالْجَوَازِ منهم الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ فقال الْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلُّوا بِقَرْيَتِهِمْ وقال ابن الصَّبَّاغِ هُمْ بِالْخِيَارِ وَتَحْرِيرُ الْقَوْلِ في أَسَاءَ أنها إنَّمَا تَدُلُّ على التَّحْرِيمِ بِقَرِينَةٍ فَإِنْ كَانُوا أَقَلَّ من أَرْبَعِينَ أو أَهْلَ خِيَامٍ مَثَلًا وَنِدَاءُ بَلَدِ الْجُمُعَةِ يَبْلُغُهُمْ لَزِمَتْهُمْ وَإِنْ لم يَبْلُغْهُمْ فَلَا لِخَبَرٍ الْجُمُعَةُ على من سمع النِّدَاءَ رَوَاهُ أبو دَاوُد بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ لَكِنْ ذَكَرَ له الْبَيْهَقِيُّ شَاهِدًا بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ قال في الْمَجْمُوعِ
فَإِنْ حَضَرَ من لم يَبْلُغْهُ النِّدَاءُ فَلَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ مع الْكَرَاهَةِ بِخِلَافِ من لم يَبْلُغْهُ في الْبَلَدِ يَلْزَمُهُ الْحُضُورُ قَطْعًا وَالْمُعْتَبَرُ نِدَاءُ صَيِّتٍ أَيْ عَالِي الصَّوْتِ يُؤَذِّنُ كَعَادَتِهِ في عُلُوِّ الصَّوْتِ وهو على الْأَرْضِ في طَرَفِهَا أَيْ طَرَفِ الْبَلْدَةِ الذي يَلِيهِمْ وَالْأَصْوَاتُ هَادِئَةٌ وَالرِّيَاحُ رَاكِدَةٌ وَاعْتُبِرَ الطَّرَفُ الذي يَلِيهِمْ لِأَنَّ الْبَلْدَةَ قد تَكْبُرُ بِحَيْثُ لَا يَبْلُغُ أَطْرَافَهَا النِّدَاءُ بِوَسَطِهَا فَاحْتِيطَ لِلْعِبَادَةِ وَاعْتُبِرَ هُدُوءُ الْأَصْوَاتِ وَالرِّيَاحِ لِئَلَّا يَمْنَعَا بُلُوغَ النِّدَاءِ أو تُعِينُ عليه الرِّيَاحُ لَا على عَالٍ أَيْ يُعْتَبَرُ كَوْنُ الْمُؤَذِّنِ على الْأَرْضِ لَا على عَالٍ لِأَنَّهُ لَا ضَبْطَ لِحَدِّهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْبَلْدَةُ في أَرْضٍ بين أَشْجَارٍ كَطَبَرِسْتَانَ فَإِنَّهَا بين أَشْجَارٍ تَمْنَعُ بُلُوغَ الصَّوْتِ فَيُعْتَبَرُ فيها الْعُلُوُّ على ما يُسَاوِي الْأَشْجَارَ وقد يُقَالُ الْمُعْتَبَرُ السَّمَاعُ لو لم يَكُنْ مَانِعٌ وفي ذلك مَانِعٌ فَلَا حَاجَةَ إلَى اسْتِثْنَائِهِ وَعِبَارَتُهُ أَعَمُّ من تَقْيِيدِ الْأَصْلِ بِطَبَرِسْتَانَ والمعتبر أَنْ يَكُونَ الْمُصْغِي لِلنِّدَاءِ مُعْتَدِلَ السَّمْعِ فَإِنْ سَمِعَهُ لَزِمَتْهُمْ وَإِلَّا فَلَا وَخَرَجَ بِالْمُعْتَدِلِ الْأَصَمُّ وَمَنْ جَاوَزَ سَمْعُهُ حَدَّ الْعَادَةِ وَإِنْ لم يَسْمَعُوا النِّدَاءَ لِكَوْنِهِمْ في وَهْدَةٍ من الْأَرْضِ وَلَوْ كَانُوا بِاسْتِوَاءٍ سَمِعُوا أو سَمِعَهُ الْأَبْعَدُ لِكَوْنِهِمْ على قُلَّةٍ من جَبَلٍ وَلَوْ كَانُوا بِاسْتِوَاءٍ لم يَسْمَعُوا لَزِمَتْ من في الْوَهْدَةِ فَقَطْ أَيْ دُونَ من على قُلَّةِ الْجَبَلِ اعْتِبَارًا بِتَقْدِيرِ الِاسْتِوَاءِ وَالْخَبَرُ السَّابِقُ مَحْمُولٌ على الْغَالِبِ وَلَوْ أُخِذَ بِظَاهِرِهِ لَلَزِمَتْ الْبَعِيدَ الْمُرْتَفِعَ دُونَ الْقَرِيبِ الْمُنْخَفِضِ وهو بَعِيدٌ وَإِنْ صَحَّحَهُ في الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَقُلَّةُ الْجَبَلِ بِالتَّشْدِيدِ رَأْسُهُ فَإِنْ سمع الْمُعْتَدِلُ النِّدَاءَ من بَلَدَيْنِ فَحُضُورُ الْأَكْثَرِ مِنْهُمَا جَمَاعَةً أَوْلَى فَإِنْ اسْتَوَيَا فَيُحْتَمَلُ مُرَاعَاةُ الْأَقْرَبِ كَنَظِيرِهِ في الْجَمَاعَةِ وَيُحْتَمَلُ مُرَاعَاةُ الْأَبْعَدِ لِكَثْرَةِ الْأَجْرِ وَالْغَرِيبُ الْمُقِيمُ بِبَلْدَةٍ إذَا لم يَسْتَوْطِنْ بها بَلْ عَزْمُهُ الرُّجُوعُ إلَى وَطَنِهِ بَعْدَ مُدَّةٍ يَخْرُجُ بها عن كَوْنِهِ مُسَافِرًا وَإِنْ طَالَتْ كَالْمُتَفَقِّهِ وَالتَّاجِرِ لَزِمَتْهُ الْجُمُعَةُ لِإِقَامَتِهِ مع سَمَاعِهِ النِّدَاءَ ولم تَنْعَقِدْ بِهِ لِعَدَمِ اسْتِيطَانِهِ كما مَرَّ ذلك فَرْعٌ الْعُذْرُ الطَّارِئُ وَلَوْ بَعْدَ الزَّوَالِ يُبِيحُ تَرْكَ الْجُمُعَةِ إلَّا السَّفَرُ فَلَا يُنْشِئُهُ بَعْدَ الْفَجْرِ وَلَوْ لِطَاعَةٍ كَسَفَرِ حَجٍّ فَرْضًا أو نَفْلًا كما لَا يُنْشِئُهُ مُبَاحًا كَسَفَرِ تِجَارَةٍ أَمَّا بَعْدَ الزَّوَالِ فَلِأَنَّهَا لَزِمَتْهُ فَيَحْرُمُ اشْتِغَالُهُ بِمَا يُفَوِّتُهَا كَالتِّجَارَةِ وَاللَّهْوِ وَلَا يَقْدَحُ كَوْنُ الْوُجُوبِ مُوَسَّعًا إذْ الناس تَبَعٌ لِلْإِمَامِ فيها فَتَعَيَّنَ انْتِظَارُهُ وَأَمَّا قَبْلَهُ فَلِأَنَّهَا مُضَافَةٌ إلَى الْيَوْمِ وَإِنْ كان وَقْتُهَا بِالزَّوَالِ وَلِهَذَا يُعْتَدُّ بِغُسْلِهَا وَيَلْزَمُ السَّعْيُ بَعِيدَ الدَّارِ قَبْلَهُ نعم إنْ وَجَبَ السَّفَرُ فَوْرًا كَإِنْقَاذِ نَاحِيَةٍ وَطِئَهَا الْكُفَّارُ أو أَسْرَى اخْتَطَفُوهُمْ وَظُنَّ أو جَوَّزَ إدْرَاكَهُمْ فَالْوَجْهُ كما قال الْأَذْرَعِيُّ أَخْذًا من كَلَامِ الْبَنْدَنِيجِيِّ وَغَيْرِهِ وُجُوبَ السَّفَرِ فَضْلًا عن جَوَازِهِ أَيْ الْمَأْخُوذِ من قَوْلِهِ كَغَيْرِهِ فَإِنْ خَشِيَ من عَدَمِ سَفَرِهِ ضَرَرًا كَانْقِطَاعِ الرُّفْقَةِ أَيْ انْقِطَاعِهِ عَنْهُمْ أو أَمْكَنَهُ إدْرَاكُهَا بِمَعْنَى تَمَكَّنَ من إدْرَاكِهَا في طَرِيقِهِ أو مَقْصِدِهِ لم يَحْرُمْ سَفَرُهُ قبل الزَّوَالِ وَلَا بَعْدَهُ لِخَبَرِ الْحَاكِمِ وَصَحَّحَهُ لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ في الْإِسْلَامِ في الْأَوَّلِ وَلِحُصُولِ الْغَرَضِ في الثَّانِي وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ كَغَيْرِهِ أَنَّ مُجَرَّدَ انْقِطَاعِهِ عن الرُّفْقَةِ بِلَا ضَرَرٍ وَلَيْسَ عُذْرًا قال في الْمُهِمَّاتِ وَالصَّوَابُ خِلَافُهُ لِمَا فيه من الْوَحْشَةِ وَكَمَا في نَظِيرِهِ من التَّيَمُّمِ وَبِهِ جَزَمَ في الْكِفَايَةِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَظِيرِهِ في التَّيَمُّمِ بِأَنَّ الطُّهْرَ يَتَكَرَّرُ في كل يَوْمٍ بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ وقد يُفَرَّقُ أَيْضًا بِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ في الْوَسَائِلِ ما لَا يُغْتَفَرُ في الْمَقَاصِدِ وَإِلَّا أَيْ وَإِنْ لم يَخْشَ ضَرَرًا وَلَا أَمْكَنَهُ إدْرَاكُهَا فِيمَا ذُكِرَ وَسَافَرَ عَصَى بِسَفَرِهِ لِتَفْوِيتِهَا بِلَا ضَرَرٍ ولم يَتَرَخَّصْ ما لم تَفُتْ الْجُمُعَةُ وَيُحْسَبُ ابْتِدَاءُ سَفَرِهِ من فَوَاتِهَا لِانْتِهَاءِ سَبَبِ