لَا من هذه الْحَيْثِيَّةِ بَلْ من حَيْثُ حُرْمَةُ الْآدَمِيِّ وَالِاسْتِيلَاءُ على حَقِّ الْغَيْرِ وَخَرَجَ بِالطَّاهِرِ النَّجَسُ فَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ إلَّا في جَافٍّ أو مَاءٍ كَثِيرٍ كما مَرَّ بَيَانُهُ إلَّا إنَاءً وَلَوْ مِلْعَقَةً من ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ فإنه يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ في الطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا لِخَبَرِ لَا تَشْرَبُوا في آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَا تَأْكُلُوا في صِحَافِهَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَقِيسَ غَيْرُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِهِمَا وَلِأَنَّ عِلَّةَ التَّحْرِيمِ وُجُودُ عَيْنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مُرَاعًى فيها الْخُيَلَاءُ وقد يُعَلِّلُونَهُ بِالْخُيَلَاءِ مُرَاعِينَ فيه الْعَيْنَ وَلَا فَرْقَ في التَّحْرِيمِ بين الرِّجَالِ وَالْخَنَاثَى وَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَنَحْوِهِمْ حتى يَحْرُمَ على الْوَلِيِّ سَقْيُ الصَّبِيِّ وَنَحْوِهِ بِمِسْعَطٍ الْفِضَّةِ إلَّا لِضَرُورَةٍ فَلَا يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ وَلِوُضُوءٍ منه صَحِيحٌ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لِلِاسْتِعْمَالِ لَا لِخُصُوصِ الْوُضُوءِ وَالْمَأْكُولُ كَالْمَشْرُوبِ حَلَالٌ إذْ لَا مُقْتَضَى لِلتَّحْرِيمِ
وَإِنَّمَا يَحْرُمُ الْفِعْلُ لِمَا مَرَّ فَيَحْرُمُ الِاكْتِحَالُ وَالتَّجَمُّرُ أَيْ التَّبَخُّرُ بِالِاحْتِوَاءِ على الْمِجْمَرَةِ أو بِإِتْيَانِ رَائِحَتِهَا من قُرْبٍ كما فَهِمَ من الْأَصْلِ بِأَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يُعَدُّ مُتَطَيِّبًا بها وَالتَّطَيُّبُ بِمَاءِ الْوَرْدِ أو غَيْرِهِ مِنْهُمَا أَيْ من إنَاءَيْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وفي نُسْخَةٍ منها أَيْ من آنِيَتِهِمَا وَلَوْ قال منه أَيْ من إنَاءِ أَحَدِهِمَا كان أَوْلَى لِعِطْفِهِ بِأَوْ وَلِيُنَاسِبَ قَوْلَهُ فَلْيُفَرِّغْهُ أَيْ الْإِنَاءَ بِأَنْ يَصُبَّ ما فيه وَلَوْ في يَدِهِ التي لَا يَسْتَعْمِلُهُ بها فَيَصُبُّهُ أَوَّلًا في يَدِهِ الْيُسْرَى ثُمَّ في الْيُمْنَى ثُمَّ يَسْتَعْمِلُهُ لِيَنْدَفِعَ عنه ارْتِكَابُ الْمَعْصِيَةِ
وَيَحْرُمُ اتِّخَاذُهُ بِغَيْرِ اسْتِعْمَالِ أَيْضًا لِأَنَّ اتِّخَاذَهُ يَجُرُّ إلَى اسْتِعْمَالِهِ كَآلَةِ اللَّهْوِ ويحرم تَزْيِينٌ بِهِ لِوُجُودِ الْعَيْنِ وَالْخُيَلَاءِ فَلَا أُجْرَةَ لِصَنْعَتِهِ وَلَا أَرْشَ لِكَسْرِهِ كَآلَةِ اللَّهْوِ وَيُكْرَهُ إنَاءٌ من جَوْهَرٍ نَفِيسٍ كَفَيْرُوزَجَ وَيَاقُوتٍ وَبِلَّوْرٍ وَزَبَرْجَدٍ لِمَا فيه من الْخُيَلَاءِ وَالتَّصْرِيحُ بِالْكَرَاهَةِ من زِيَادَتِهِ وَمِثْلُهُ الْإِنَاءُ الْمُتَّخَذُ من طِيبٍ مُرْتَفِعٍ كَمِسْكٍ وَعَنْبَرٍ وَعُودٍ وَكَافُورٍ فَلَوْ حَذَفَ الْجَوْهَرَ كان أَوْلَى لِيَكُونَ الْمَعْنَى من نَفِيسٍ بِالذَّاتِ لَا نَفِيسِ صَنْعَةٍ كَزُجَاجٍ وَخَشَبٍ مُحْكَمِ الْخَرْطِ فَلَا يُكْرَهُ كَنَفِيسِ الْكَتَّانِ وَأَلْحَقَ بِهِ في الْمَجْمُوعِ فَصًّا اتَّخَذَهُ من جَوْهَرٍ نَفِيسٍ لِخَاتَمِهِ وَإِنْ مُوِّهَ أَيْ طُلِيَ إنَاءُ نُحَاسٍ بِضَمِّ النُّونِ أو غَيْرَهُ بِذَهَبٍ أو فِضَّةٍ يَتَحَصَّلُ منه شَيْءٌ بِالنَّارِ حَرُمَ لِمَا مَرَّ أو لَا يَتَحَصَّلُ منه شَيْءٌ بها فَلَا يَحْرُمُ لِقِلَّةِ الْمُمَوَّهِ بِهِ فَكَأَنَّهُ مَعْدُومٌ وَحُكْمُ عَكْسِهِ بِأَنْ مَوَّهَ إنَاءَ ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ بِنُحَاسٍ أو غَيْرِهِ عُكِسَ حُكْمُهُ فَلَا يَحْرُمُ إنْ حَصَلَ من ذلك شَيْءٌ بِالنَّارِ وَإِلَّا حَرُمَ لِأَنَّ الْمُمَوَّهَ بِهِ لِقِلَّتِهِ كَالْمَعْدُومِ وَهَذَا ما صَرَّحَ بِهِ ابن الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ أَخْذًا من كَلَامِ الْإِمَامِ وهو حَسَنٌ وَإِنْ خَالَفَ مُقْتَضَى ما في الرَّافِعِيِّ من أَنَّهُ يَحْرُمُ مُطْلَقًا وما في الرَّوْضَةِ من أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ مُطْلَقًا وَذَكَرَا مع التَّمْوِيهِ في الثَّانِيَةِ التَّغْشِيَةَ
وَاكْتَفَى الْمُصَنِّفُ عنها بِالتَّمْوِيهِ وَتَضْبِيبُ الْإِنَاءِ بِذَهَبٍ حَرَامٍ مُطْلَقًا لِأَنَّ الْخُيَلَاءَ فيه أَشَدُّ من الْفِضَّةِ وَكَذَا كَبِيرَةٌ أَيْ وَكَذَا تَضْبِيبُهُ بِضَبَّةٍ كَبِيرَةٍ في الْعُرْفِ بِفِضَّةٍ لِغَيْرِ حَاجَةٍ بِأَنْ كانت لِزِينَةٍ أو بَعْضُهَا لِزِينَةٍ وَبَعْضُهَا لِحَاجَةٍ فَإِنْ كانت صَغِيرَةً لِحَاجَةِ الْإِنَاءِ إلَى الْإِصْلَاحِ لم تُكْرَهْ لِصِغَرِهَا مع الْحَاجَةِ وَلِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّ قَدَحَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم الذي كان يَشْرَبُ فيه كان مُسَلْسَلًا بِفِضَّةٍ لِانْصِدَاعِهِ أَيْ مُشَبَّعًا بِخَيْطِ فِضَّةٍ لِانْشِقَاقِهِ أو صَغِيرَةٌ فَوْقَ حَاجَتِهِ بِأَنْ كانت لِزِينَتِهِ أو بَعْضُهَا لِزِينَتِهِ وَبَعْضُهَا لِحَاجَتِهِ أو كَبِيرَةٌ لِحَاجَتِهِ كُرِهَتْ ولم تَحْرُمْ لِصِغَرِهَا في الْأَوَّلِ وَلِلْحَاجَةِ إلَيْهَا في الثَّانِي فَإِنْ شَكَّ في كِبَرِهَا فَالْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ قَالَهُ في الْمَجْمُوعِ وَأَصْلُ ضَبَّةِ الْإِنَاءِ ما يَصْلُحُ بِهِ خَلَلُهُ من صَفِيحَةٍ أو غَيْرِهَا وَإِطْلَاقُهَا على ما هو لِلزِّينَةِ تَوَسُّعٌ
وَمَعْنَى الْحَاجَةِ غَرَضُ إصْلَاحِ مَوْضِعِ الْكَسْرِ كما نَبَّهَ عليه بِقَوْلِهِ لِحَاجَةِ الْإِنَاءِ فَيُؤْخَذُ منه ما صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الْعَجْزُ عن غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِأَنَّ الْعَجْزَ عن