فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 2058

بِالضَّمِّ وَالرَّحْمَنُ أَبْلَغُ من الرَّحِيمِ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْبِنَاءِ تَدُلُّ على زِيَادَةِ الْمَعْنَى كما في قَطَعَ وَقَطَّعَ وَعَلَيْهِ نَقْضٌ ذَكَرْته مع جَوَابِهِ في شَرْحِ الْبَهْجَةِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَدَأَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْبَسْمَلَةِ وَبِالْحَمْدَلَةِ اقْتِدَاءً بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَعَمَلًا بِخَبَرِ كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فيه بِبَسْمِ اللَّهِ الرحمن الرَّحِيمِ فَهُوَ أَقْطَعُ وفي رِوَايَةٍ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَوَاهُ أبو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَحَسَّنَهُ ابن الصَّلَاحِ وَغَيْرُهُ وَجَمَعَ بين الِابْتِدَاءَيْنِ عَمَلًا بِالرِّوَايَتَيْنِ وَإِشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا إذْ الِابْتِدَاءُ حَقِيقِيٌّ وَإِضَافِيٌّ فَبِالْبَسْمَلَةِ حَصَلَ الْحَقِيقِيُّ وَبِالْحَمْدَلَةِ حَصَلَ الْإِضَافِيُّ وَقَدَّمَ الْبَسْمَلَةَ عَمَلًا بِالْكِتَابِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْحَمْدُ لُغَةً هو الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ على الْجَمِيلِ الِاخْتِيَارِيِّ على جِهَةِ التَّبْجِيلِ سَوَاءٌ أَتَعَلَّقَ بِالْفَضَائِلِ أَمْ بِالْفَوَاضِلِ وَعُرْفًا فِعْلٌ يُنْبِئُ عن تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ لِكَوْنِهِ مُنْعِمًا على الْحَامِدِ أو غَيْرِهِ فَيَتَنَاوَلُ الْقَوْلَ وَالْفِعْلَ قال بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ من الصُّوفِيَّةِ وهو بِالْفِعْلِ أَقْوَى منه بِالْقَوْلِ لِأَنَّ الْأَفْعَالَ التي هِيَ آثَارُ السَّخَاوَةِ مَثَلًا تَدُلُّ عليها دَلَالَةً عَقْلِيَّةً قَطْعِيَّةً لَا يُتَصَوَّرُ فيها تَخَلُّفٌ بِخِلَافِ الْأَقْوَالِ فإن دَلَالَتَهَا عليها وَضْعِيَّةً وقد يَتَخَلَّفُ عنها مَدْلُولُهَا وَمِنْ هذا الْقَبِيلِ حَمْدًا لِلَّهِ وَثَنَاؤُهُ على ذَاتِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى حين بَسَطَ بِسَاطَ الْوُجُودِ على مُمْكِنَاتٍ لَا تُحْصَى وَوَضَعَ عليه مَوَائِدَ كَرَمِهِ التي لَا تَتَنَاهَى فَقَدْ كَشَفَ سُبْحَانَهُ عن صِفَاتِ كَمَالِهِ وَأَظْهَرَهَا بِدَلَالَاتٍ قَطْعِيَّةٍ تَفْصِيلِيَّةٍ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ فإن كُلَّ ذَرَّةٍ من ذَرَّاتِ الْوُجُودِ تَدُلُّ عليها وَلَا يُتَصَوَّرُ في الْعِبَارَاتِ مِثْلُ هذه الدَّلَالَاتِ وَمِنْ ثَمَّ قال عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سُبْحَانَك لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أنت كما أَثْنَيْت على نَفْسِك

وقد بَسَطْت الْكَلَامَ على الْحَمْدِ وَالشُّكْرِ في شَرْحِ الْبَهْجَةِ وَغَيْرِهِ الذي جَعَلَ الْكِتَابَ الْعَزِيزَ أَيْ الْقُرْآنَ رَوْضَةً دَانِيَةً قُطُوفُهَا أَيْ قَرِيبَةً ثِمَارُهَا وَالْمُرَادُ فَوَائِدُهَا وَالرَّوْضَةُ تُقَالُ لِبُقْعَةٍ ذَاتِ أَشْجَارٍ كَثِيرَةِ الثِّمَارِ وَالْبَقْلِ وَالْعُشْبِ وقد اسْتَعَارَ لَفْظَهَا لِلْقُرْآنِ وَرَشَّحَ الِاسْتِعَارَةَ بِدَانِيَةٍ قُطُوفُهَا وَأَوْجَزَ أَيْ قَلَّلَ مَبَانِيَهُ وَكَثَّرَ مَعَانِيهِ فَأَعْجَزَ خَلْقَهُ عن إدْرَاكِ مَعَانِيهِ وَعَنْ إتْيَانِهِمْ بمثله وَجَمَعَ فيه عِلْمَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ في كَلِمٍ عِدَّتُهَا على ما رُوِيَ عن ابْنِ مَسْعُودٍ سَبْعٌ وَسَبْعُونَ أَلْفًا وَتِسْعُمِائَةٍ وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ مَعْدُودَةٌ حُرُوفُهَا وَهِيَ على ما رُوِيَ عن ابْنِ مَسْعُودٍ ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةُ آلَافٍ وَسَبْعُمِائَةٍ وَأَرْبَعُونَ وَفِيهَا وفي الْكَلِمِ أَقْوَالٌ أُخَرُ أَحْمَدُهُ حَمْدَ من رَتَعَ في رَوْضِ مَوَاهِبِهِ جَمْعُ مَوْهِبَةٍ بِالْكَسْرِ وَبِالْفَتْحِ الْعَطِيَّةُ وَبِالْفَتْحِ نَقْرَةٌ في الْجَبَلِ يُسْتَنْقَعُ فيها الْمَاءُ وَرَوْضٌ جَمْعُ رَوْضَةٍ ذَكَرَ ذلك الْجَوْهَرِيُّ

وقد اسْتَعَارَ الْمُصَنِّفُ لَفْظَ الرُّتُوعِ وهو التَّنَعُّمُ بِالْأَكْلِ لِلتَّنَعُّمِ بِالْمَعَانِي ثُمَّ رَشَّحَ الِاسْتِعَارَةَ بِالرَّوْضِ وحمد من تَعَاوَرَتْ أَيْ تَدَاوَلَتْ رَبَوَاتُ أَيْ مُرْتَفَعَاتُ أَرْضِهِ هو أَطَلُّ سَحَائِبِهِ فَاعِلُ تَعَاوَرَتْ أَيْ سَحَائِبُهُ الْهَوَاطِلُ أَيْ كَثِيرَةَ الْمَطَرِ وَالسَّحَائِبُ جَمْعُ سَحَابَةٍ وَهِيَ الْغَيْمُ قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَالْمُرَادُ من تَوَالَتْ عليه نِعَمُ اللَّهِ تَعَالَى فَالضَّمِيرُ في أَرْضِهِ لِلْحَامِدِ وفي سَحَائِبِهِ لِلَّهِ تَعَالَى وقد ذَكَرَ الْحَمْدَ مَرَّتَيْنِ لِيَجْمَعَ بين نَوْعَيْهِ الْوَاقِعِ في مُقَابَلَةِ صِفَاتِ اللَّهِ الْعِظَامِ وَالْوَاقِعِ في مُقَابَلَةِ نِعَمِهِ الْجِسَامِ التي من جُمْلَتِهَا التَّوْفِيقُ لِتَأْلِيفِ هذا الْكِتَابِ وَلَمَّا كانت صِفَاتُهُ تَعَالَى قَدِيمَةً مُسْتَمِرَّةً وَالنِّعَمُ مُتَجَدِّدَةٌ مُتَعَاقِبَةٌ ذَكَرَ الْأَوَّلَ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدَّالَّةِ على الثُّبُوتِ وَالِاسْتِمْرَارِ وَالثَّانِي بِالْفِعْلِيَّةِ الدَّالَّةِ على التَّجَدُّدِ وَالتَّعَاقُبِ وَأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ على رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الذي أَرْسَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالصَّلَاةُ من اللَّهِ رَحْمَةٌ وَمِنْ الْمَلَائِكَةِ اسْتِغْفَارٌ وَمِنْ الْآدَمِيِّ تَضَرُّعٌ وَدُعَاءٌ وَالرَّسُولُ إنْسَانٌ أُوحِيَ إلَيْهِ بِشَرْعٍ وَأُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ وَالنَّبِيُّ إنْسَانٌ أُوحِيَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت