في الْإِمَامِ وَلِلْقِيَاسِ عليه في الْمُنْفَرِدِ لِاشْتِرَاكِهِمَا في الْحَاجَةِ إلَى الْجَهْرِ لِتَدَبُّرِ الْقِرَاءَةِ بَلْ الْمُنْفَرِدُ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَكْثَرُ تَدَبُّرًا لها لِعَدَمِ ارْتِبَاطِ غَيْرِهِ بِهِ وَقُدْرَتِهِ على إطَالَةِ الْقِرَاءَةِ وَتَرْدِيدِهَا لِلتَّدَبُّرِ وَيُسِرُّ كُلٌّ مِنْهُمَا فِيمَا عَدَا ذلك لَكِنَّهُ يَجْهَرُ في الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَخُسُوفِ الْقَمَرِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالتَّرَاوِيحِ وَالْوِتْرِ عَقِبَهَا وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَقْتَ الْجَهْرِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهَا في مَحَالِّهَا ولو تَرَكَ الْجَهْرَ فِيمَا يُجْهَرُ فيه لَا يَتَدَارَكُ في غَيْرِهِ لِأَنَّ السُّنَّةَ فيه الْإِسْرَارُ فَلَا يُفَوَّتُ بِالْجَهْرِ
وَقَوْلُهُ يَجْهَرُ بها إلَى آخِرِهِ من زِيَادَتِهِ وَصَرَّحَ بِهِ في الْمَجْمُوعِ وَالْمَسْبُوقُ بِالْفَاتِحَةِ يَتَحَمَّلُهَا عنه الْإِمَامُ فَيُدْرِكُ الرَّكْعَةَ بِإِدْرَاكِهِ معه رُكُوعَهُ الْمَحْسُوبَ له وَيُسِرُّ بها الْمَأْمُومُ نَدْبًا مُطْلَقًا بِحَيْثُ يُسْمِعُ السَّمِيعُ نَفْسَهُ إذَا خَلَا عن شَاغِلٍ
عِبَارَةُ الْأَصْلِ بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ لو كان سَمِيعًا لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالِاسْتِمَاعِ وَلِئَلَّا يُشَوِّشَ على الْإِمَامِ بَلْ يُكْرَهُ له الْجَهْرُ وَيَسْكُتُ له الْإِمَامُ نَدْبًا بَعْدَ التَّأْمِينِ قَدْرَ قِرَاءَتِهَا أَيْ قِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ الْفَاتِحَةَ وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ حِينَئِذٍ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالذِّكْرِ أو الدُّعَاءِ أو الْقِرَاءَةِ سِرًّا لِأَنَّ الصَّلَاةَ ليس فيها سُكُوتٌ حَقِيقِيٌّ في حَقِّ الْإِمَامِ جَزَمَ بِهِ في الْمَجْمُوعِ وَالْفَتَاوَى وَغَيْرِهِمَا وَنَقَلَ هو عن السَّرَخْسِيِّ أَنَّهُ يقول اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ إلَى آخِرِهِ ثُمَّ قال وما قَالَهُ حَسَنٌ لَكِنْ الْمُخْتَارُ الْقِرَاءَةُ لِأَنَّ هذا مَوْضِعُهَا وَالْبَسْمَلَةُ آيَةٌ منها أَيْ من الْفَاتِحَةِ لِعَدِّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم إيَّاهَا آيَةً منها رَوَاهُ ابن خُزَيْمَةَ في صَحِيحِهِ وآية من كل سُورَةٍ إلَّا بَرَاءَةً لِخَبَرِ مُسْلِمٍ عن أَنَسٍ بَيْنَا النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ بين أَظْهُرِنَا إذْ أَغْفَى إغْفَاءَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا فَقُلْنَا ما أَضْحَكَك يا نَبِيَّ اللَّهِ قال أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرَّحِيمِ إنَّا أَعْطَيْنَاك الْكَوْثَرَ إلَى آخِرِهَا وَلِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ على إثْبَاتِهَا في الْمُصْحَفِ بِخَطِّهِ أَوَائِلَ السُّوَرِ سِوَى بَرَاءَةٍ دُونَ الْأَعْشَارِ وَتَرَاجِمِ السُّوَرِ وَالتَّعَوُّذِ فَلَوْ لم تَكُنْ قُرْآنًا لَمَا أَجَازُوا ذلك لِأَنَّهُ يُحْمِلُ على اعْتِقَادِ ما ليس بِقُرْآنٍ قُرْآنًا فَإِنْ قُلْت الْقُرْآنُ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالتَّوَاتُرِ قُلْنَا هذا فِيمَا يَثْبُتُ قُرْآنًا قَطْعًا أَمَّا ما يَثْبُتُ قُرْآنًا حُكْمًا فَيَكْفِي فيه الظَّنُّ كما يَكْفِي في كل ظَنِّيٍّ وَأَيْضًا إثْبَاتُهَا في الْمُصْحَفِ بِخَطِّهِ من غَيْرِ نَكِيرٍ في مَعْنَى التَّوَاتُرِ فَإِنْ قُلْت لو كانت قُرْآنًا لَكَفَرَ جَاحِدُهَا قُلْنَا وَلَوْ لم تَكُنْ قُرْآنًا لَكَفَرَ مُثْبِتُهَا وَأَيْضًا التَّكْفِيرُ لَا يَكُونُ بِالظَّنِّيَّاتِ وَلَا يُشْكِلُ وُجُوبُهَا في الصَّلَاةِ بِقَوْلِ أَنَسٍ كان النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وأبو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كما رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلَا بِقَوْلِهِ صَلَّيْتُ مع النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَأَبِي بِكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فلم أَسْمَعْ أَحَدًا منهم يَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرَّحِيمِ كما رَوَاهُ مُسْلِمٌ لِأَنَّ مَعْنَى الْأَوَّلِ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ بِسُورَةِ الْحَمْدُ يُبَيِّنُهُ ما صَحَّ عن أَنَسٍ كما قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّهُ كان يَجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ وقال لَا آلُو أَنْ أَقْتَدِيَ بِصَلَاةِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَأَمَّا الثَّانِي فقال أَئِمَّتُنَا إنَّهُ رِوَايَةُ اللَّفْظِ الْأَوَّلِ بِالْمَعْنَى الذي عَبَّرَ عنه الرَّاوِي بِمَا ذَكَرَ بِحَسَبِ فَهْمِهِ وَلَوْ بَلَّغَ الْخَبَرَ بِلَفْظِهِ كما في الْبُخَارِيِّ لَأَصَابَ إذْ اللَّفْظُ الْأَوَّلُ هو الذي اتَّفَقَ عليه الْحُفَّاظُ
فَرْعٌ لو خَفَّفَ مع سَلَامَةِ لِسَانِهِ حَرْفًا مُشَدَّدًا من الْفَاتِحَةِ