وقوله: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا(153)
وهذا حين قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: (وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ) .
أي فقد سألوا موسى بعد أن جاءَهم بالآيات، فقالوا: (أرنَا الله جَهْرَةً) .
وقال أهل اللغة في (جَهْرَةً) قولين: قال أبو عبيدة: قالوا جهرةً أرنَا
اللَّه، لأنهم إِذا رأوا الله فالسر جهرة، فإِنما جَهْرةٌ صفة لقولهم.
وقال بعضهم (أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً) ، إِنما معناه أرنا رؤْيةً بينةً منكشفةً ظاهرة لأن
من علِم الله عزَّ وجلَّ فقد زَادَ عِلْماً، ولكن سألوه رؤْية يُدْرِكونها بأبصَارِهم.
ودليل هذا القول قوله عزْ وجلَّ:(وَإذْ قُلْتُم يا مُوسى لَنْ نُومِنَ لَكَ حَتى
نَرَى الله جَهرةً). وهذا عندي هو القول البين إنْ شَاءَ اللَّه.
وقوله: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا(155)
(فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ)
"ما"لغْوُ في اللفظ، المعنى فبنقضهم ميثاقهم حقًّا، فكما أن حقًّا لتوكيد
الأمر فكذلك"ما"دخلت للتوكيد.
وتأْويل نَقْضِهم مِيثَاقَهم أن اللَّه عزَّ وجلَّ أخذ عليهم الميثاق في أن يُبَينُوا
ما أنْزل عليهم من ذكْر النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيره.