نشأت نشأةً كريمة، وعاشت عيشة فاضلةً في بيت المقدس، عابدةً متنسكةً خادمةً للبيت العظيم الذي بُني لله في تلك الأرض.
وقيل: هو ثاني بيت بعد البيت الحرام في مكة.
إلى أنْ جاءَها أمر الله، يومٌ من الأيام؛ أرسل الله إليها ملكاً وبشَّرها بعيسى -عليه السلام-؛ حملاً من غير نكاحٍ؛ أي: زواج ولا سِفاح؛ يعني: ولا زنى، فلا نكاح ولا سِفاح، ومع ذلك شاءَ الله لها أنْ تحمل.
كما يعلم اليهود كلهم صلاحَ هذه الأسرة؛ تعلم مريم وغيرها خبثَ بني إسرائيل وخبثَ اليهود، فلذلك لما توقعت ما سيقولون عنها؛"قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا" [مريم: 23] ؛ تمنت الموت ولا تقال كلمةٌ خبيثةٌ على عرضها؛ فلا قيمة للعرض مع خدشها وكسره وشرخه [21] ، صان الله وحفظ أعراضنا جميعاً.
اليهود يشهدون بصلاحِ هذه الأسرة؛ والله يسجل ذلك على لسانهم حين جاءتهم مريم تحمل ولدها على يديها:"قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا" [مريم: 27] ؛ فوقع ما كانت تخشاه،"يَا أُخْتَ هَارُونَ" [مريم: 28] ؛ انظر إلى كلماتهم التي يحكيها القرآن:"يَاأُخْتَ هَارُونَ" [مريم: 28] ؛ يعني: يا أخت هارون الطيب، يا أخت هارون الصالح، كيف تفعلين هذا؟!
كما كان الله يقول لليهود:"يَابَنِي إِسْرَائِيلَ" [البقرة: 40] مع أنهم ليسوا بني إسرائيل مباشرةً؛ إنما هم أحفاد إسرائيل.
وإسرائيل هذا هو سيدنا يعقوب - عليه السلام -، إنَّما كان الله ينادي عليهم بهذا النداء؛ ليذكرهم بجدهم الطيب الصالح، هذا جدكم وهذا نسلكم فلمن تشابهون؟ لماذا تخرجون عن حياة أبيكم يعقوب -عليه السلام- يا بني إسرائيل؟
كما يقول أحدنا لواحد يرى عليه منكرًا: يا ابن الشيخ، يا ابن الحاج الذي حجَّ بيت الله، أبوك رجل طيب، لماذا تفعل هذا؟
فيحتج عليه بأحد آبائه أو إخوانه أو أمهاته أو نحو ذلك.