بينما هو يشير إلى الصحيفة التي فيها أن عيسى عبد الله ورسوله، هكذا كان ملهماً، وكان موفقاً لمثل هذه الحيلة التي يستبقي بها المُلك ليحكم بعدله، ولكي يحفظ حياته؛ ليؤمن بربه -سبحانه وتعالى-، ودعا له النبي -عليه الصلاة والسلام- دعوة بظهر الغيب، وكان النجاشي يتمنى أن يكون خادماً عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث قال: ليتني كنت عنده فأصبّ عليه وضوءه [15] ، يا ليتني أكون عند نبيكم هذا ونبينا، طبعاً آمن به -صلى الله عليه وسلم-، ليتني كنت عنده فأصبّ عليه ماء الوضوء ليتوضأ.
هكذا تواضع قلب منفتح للحق، لذلك عبّر الله عن النصارى بهذه الطيبة الفطرية؛ فقال"وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى" [المائدة: 82] ، فالذين يعترفونَ أنَّهم نصارى؛ همْ أقرب الناس إلينا مودة، ومن رفض هذا؛ فالقرآن لا يقول غير هذا:"الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى" [المائدة: 82] ، وبيّن السبب؛ بوجود القسيسين والرهبان فيهم والعبّاد والعلماء الصالحين الذين إذا رأوا الحقَّ لا يتكبرون عنه، وكم أيٍ كثيرٌ منهم أسلم حينما سمع الحق عبر طول هذا الزمان.
فسورة آل عمران جاءت تضيف إلينا معلومةً بعد ما قالت سورة البقرة: إنَّ بني إسرائيل قومٌ غضب الله عليهم ولعنهم، قومٌ قتّالون للأنبياء، قومٌ لا يعاشرون، قومٌ لا يصاحبون، ينقضون العهد، يفعلون كذا، يكذبون، يفترون؛ كلها سيرةٌ عن بني إسرائيل تغلق القلب عن محبتهم أو الانفتاح لهم، ولكن الله يُحق الحقَّ فأراد أنْ يكمّل لنا المعلومة؛ فيقول: ليس كل بني إسرائيل بهذا الوصف السيئ؛ فلا تضربوا عنهم صفحاً جميعاً، بل منهم صالحون وخاصةً النَّصارى، هؤلاء طيبون بالفطرة، وعندهم صلاحٌ ديني في علمائهم، ورهبانهم أصلح من أحبار اليهود؛ فعلماء اليهود مضللون وضالون بخلافِ القسيسين والرهبان؛ فهؤلاء ألين قلباً، وألين جانباً، وأقرب مودةً، وكذلك أتباعهم الذين يقرون بأنَّهم نصارى.