ومن -هنا- يبدأ القلبُ ينفتح بعض الشيء لمن قالوا: إنا نصارى، الواحد يخالطهم في الحياة بجوارٍ أو بصحبة في عمل أو نحو ذلك وهو يحتفظ بشيءٍ من الأمن؛ بخلاف ما لو كان جارُك يهودياً، أو صاحبك في العمل يهودياً أو كذا؛ فينبغي أنْ تحذر منه أشدَّ الحذر؛ فقد قتلوا أنبياء الله، واستحلوا دماءَهم؛ فكيف يفعلون بك؟
فالمسألة فيها فارقٌ كبير؛ من هؤلاء الذين ذمهم الله في سورة البقرة قوم آل عمران؛ أسرةٌ في غاية الصلاح، من هؤلاء الذين ذمهم الله في سورة البقرة؛ قومٌ يؤمنون بآيات الله، ويقيمون الليل، ويؤدون الصلوات، ويقبلون على الإسلام، ويأخذون الحق حيثُما كان، ولذلك تجد في أوَّلِ السورة بعد أنْ كان عنوانها (آل عمران) ؛ يعني: أهل عمران؛ هذه الأسرة عنوان السورة.
وفي أول السورة يقول الله -تعالى-:"اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ" [آل عمران: 2، 3] ؛ هذا هو القرآن، ويقول عن الكتب السابقة:"وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ" [آل عمران: 3] ، جاء بعدها -أيضًا- بالفرقان الذي هو القرآن؛ ليُشعر وليعلن بأنَّ القرآن هوَ خاتم الرسالات، وإن كان أخبر عن إنزاله من قبلِ في أول الآية؛ فيأتي به بعد ذلك في ترتيبه الزمني:"وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ" [آل عمران: 3] ؛ فهذا تلميحٌ بأنَّ هذه السورة ستتكلم عن أصحاب الكتابين؛ عن أهل الكتاب.