إليه غيري؟ ولعلها دموع فرح -أيضًا-؛ لأنّه وجد الحق واهتدى إليه، وقالوا: هذه الآية نزلت في النجاشي ملك الحبشة [13] ؛ كان ملكاً عظيماً ولكنه كان نصرانياً؛ فلما هاجر إليه المسلمون الأوائل في أرض الحبشة [14] ؛ فراراً من إيذاء وظلم قريش وكفارها استقبلهم استقبالاً حسناً عظيماً، وأكرم هؤلاء الضعفاء المطرودين من بلادهم أو الفارّين بدينهم؛ فلما جاء وفد قريش ليؤلب الأمور بينهما؛ بين الملك وبين هؤلاء اللاجئين المسلمين حتى يأخذهم بقوته وسلطانه وسطوه ولو أن يخرجهم من بلاده ويردهم إلى أهاليهم؛ لم يفعل ذلك، إنما سمع من هؤلاء، وسمع من هؤلاء، وبفطنته وذكائه وعدله وسماحته؛ قارن بين الكلاميين؛ فوجد أن قريشاً تبغي وتظلم وتدعي وتفتري، وجد أنَّ هؤلاء المستضعفين معهم الحق، وفرّوا بالحق، ويريدون الحق، ونبيهم نبي حق -عليه الصلاة والسلام-، فلذلك آمن به وهو في مكانه لم يره أبداً طول عمره؛ لم ير النبي -صلى الله عليه وسلم-، أسلم به من بُعد وآمن به واتبعه من بُعد؛ بكت عينه حينما سمع من جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه- قصة ميلاد عيسى في سورة مريم، قال: اقرأ علي شيئاً مما أنزل على صاحبكم؛ يعني: أرني عينة مما تقولون عنه إنه قرآن، وأنه كلام الله، فقرأ عليه جعفر -بكل حنكة وذكاء- ما شاء الله وحسن اختيار، قرأ عليه الآيات التي يحبها فجاءه بقصة مريم وميلاد عيسى حسبما ورد في سورة مريم؛ فلما سمعها النجاشي بكى، وشهد أنَّ هذا لا يفرق عمَّا جاء به موسى وعيسى قيدَ شعرة، وأسلم وأعلن إسلامه بين وفد المسلمين؛ راح وفد قريش وأخبروا الرهبان والكهّان أنَّ ملككم أسلم وتبع هؤلاء الذين جاءوا من عندنا، فكان قد كتب اسم المسيح -عليه السلام- عيسى عبد الله ورسوله، كتبها في صحيفة ووضعها في جيبه، فلما جاءه الأحبار والرهبان يتحققون من هذا الأمر حتى إن كان قد أسلم عزلوه وفعلوا به ما يفعلون، قالوا له أأسلمت؟ قال من قال لكم، قالوا سمعنا ذلك، ماذا تقول في عيسى؟ قال عيسى هو كما هنا وأشار إلى جيبه وفيه الصحيفة، فظن الرهبان أنه يشير إلى قلبه؛ يعني: عيسى كما كان من قبل هو الآن ابن الله .. وكذا كما يقولون؛ ففهموا هذا فعفوا عنه وظلَّ على ملكه،