قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183] ؛ أي: على كل عضو في الظاهر وعلى كل صفة في الباطن، فصوم اللسان: من الكذب والفحش والغيبة، وصوم العين: على النظر في الغفلة والريبة، وصوم السمع: عن استماع المناهي والملاهي، وعلى هذا فقس الباقي، وصوم النفس: عن التمني والحرص والشهوات، وصوم القلب: عن حب الدنيا وزخارفها، وصوم الروح: عن نعيم الآخرة ولذاتها، وصوم السر: عن رؤية وجود غير الله تعالى وإثباته، {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} [البقرة: 183] ، هي إشارة إلى أن أجزاء وجود الإنسان من الجسمانية والروحانية قبل التركيب صارت صائمة عن المشارب كلها، فلما تعلق الروح بالقالب صارت أجزاء القالب مستدعية للحظوظ الحيوانية والروحانية بقوة إمداد الروح، وصار الروح بقوة حواس القالب متمتعاً من المشارب الروحانية والحيوانية، فالآن كتب عليكم الصيام وهم مركبون، {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} من المفردات، {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] ، من مشارب المركبات، وتصومون فيها مع حصول استعداد الشرب؛ لتفطروا من مشارب يشرب بها عباد الله
{وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} [الإنسان: 21] فيطهركم من طهورية هذا الشراب عن دنس استدعاء الحظوظ، طلعت شمس استدعاء حقوق اللقاء من مطلع الالتقاء فحينئذ يتحقق إنجاز ما وعد سيد الأنبياء بقوله صلى الله عليه وسلم:"للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه".
ثم أخبر عن كمال لطفه مع العباد بتقليل الأعداد في قوله تعالى: {أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} [البقرة: 184] ، إلى قوله تعالى: {وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185] .
الإشارة فيها: أن صومكم في أيام قلائل معدودة متناهية، وثمرات صومكم وفوائدها من أيام غير معدودة ولا متناهية، فلا يهولنكم سماع ذكره وهذا كقوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: 78] .