ثم أخبر عن أحد أركان الوصية في الإمساك عن المشارب القلبية والقالبية بقوله تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183] ، والإشارة فيها أن الصوم كما يكون للظاهر يكون للباطن، وباطن الخطاب يشير إلى صوم القلب والروح والسر، {الَّذِينَ آمَنُواْ} شهود أنواع الحضور مع الله كما سبق ذكرهم، فصوم القلب: صومه عن مشارب المعقولات، وصوم الروح: عن ملاحظة الروحانية، وصوم السر: صومه عن شهود غير الله، فمن أمسك عن المفطرات فنهاية صومه إذا هجم الليل، ومن أمسك عن الأغيار فنهاية صومه أن يشهد الحق.
وفي قوله صلى الله عليه وسلم:"صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته"عند أهل التحقيق الهاء عائدة إلى الحق تعالى، فينبغي أن يكون صوم العبد ظاهراً وباطناً لرؤية الحق وإفطاره بالرؤية كما قال قائلهم:
لقد صامَ طرفي عن شهودِ سواكم ... وحق له لما اعتراهُ نواكم
يعيد قوم حين يبدوا هلالهم ... ويبدو هلالُ الصب حين يراكمُ