واعلم أن كل عمل وفعل وقول يصدر من العبد على خلاف الشرع شرار يجتني من نار السعير، فيحصل في القلب العبد تلك النار في الحال وفي كل عمل وفعل يصدر من العبد على وفق الشرع نور يجتبي من نار المحبة، فيظهر في القلب فماذا استولت المحبة واشتعلت نارها تحرق كل محبوب غير الله في القلب، كما أن الحلو حرارة محرقة، فإذا أكل الرجل ذلك الحلو يحصل تلك الحرارة في المزاج في الحال ويحرق الرطوبات والأخلاط، فكذلك تحرق تلك النار في القلب الحسنات والأخلاق في الدنيا والآخرة تجلب المرء وتضله السعير، كقوله:
{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} [النساء: 10] ، فافهم جدّاً.
ولقوله صلى الله عليه وسلم:"الذي يشرب في آنية الذهب والفضة يجرجر في بطنه نار جنهم"يا قليل الفهم قصير النظر آمن بهذه الأشياء، وإن لم تفهمها كقوله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44] ، فالإيمان به واجب، وإن لم تفهمه {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [البقرة: 174] لأنهم كتموا كلامه في الدنيا ولا كلموه بالصدق وكلموا غير الحق، فقال تعالى: {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} [الشورى: 40] ، {وَلاَ يُزَكِّيهِمْ} [البقرة: 174] لأن تزكية النفس للإنسان مقدرة من الإيمان، والأعمال الصالحة تصدق النية من تهذيب الأخلاق بآداب الشرع، فإن من لم يزكها في الدنيا، فقد خاب وخسر وحرم في الآخرة من تزكيتها بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس: 9 - 10] ، {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 174] ، من كتمان الحق وحرمان مكالمة الله وتزكية لهم، ومن النار التي أكلوها في بطونهم وأشعلوها في بطونهم، ومن تصليتهم السعير.