ثم أخبر عن حال من باع الدين بالدنيا في الآخرة والأولى بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ} [البقرة: 174] ، والإشارة فيها أن العلماء المداهنين الذين يكتمون ما أنزل الله من مواعظ القرآن والوعيد لأهل الظلم والعشق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحفظ حدود الله ورفع العادات وترك الشهوات وزينة الحياة الدنيا وفتنتها ومحبتها، وإنما يكتمون على الملوك والأمراء والوزراء المفترين وأرباب الدنيا إما خوفاً عن ضياع مرتبتهم ونقصان قدمهم عندهم، وإما طمعاً في برهم معهم، أو لأنهم شركائهم في بعض أحوالهم من حب الدنيا وجمعها والحرص وطلبها، أو طلب مناصبها وحب رياستها، أو بالتنعم في المأكول والمشروب والملبوس والمركوب والمسكن والأواني وآلات البيت والأمتعة والزينة، في كل شيء والخدمة والحول وغير ذلك {وَيَشْتَرُونَ بِهِ} [البقرة: 174] ، بالكتمان {ثَمَناً قَلِيلاً} [البقرة: 174] ، إما من متاع الدنيا وهي متاع قليل، وإما تمتعات الحياة الدنيوية الفانية {أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ} [البقرة: 174] ، والحرص والشهوة والحسد التي تطلع على الأفئدة وتأكل الحسنات القلبية والأخلاق الروحانية، وتحرقها وتمحوها، كما قال صلى الله عليه وسلم:"الحسد يأكل الحسنات كما يأكل النار الحطب"فعبر عما يفسد الطاعات ويحبط الصالحات بالنار المناسبة في العمل، وهي في الحقيقة نار معنوية كنار الغضب كشعلة نار في الجسد.