وثانيهما: شرائط الإسلام وواجبات الشرع فيها يهدي الله قلوبهم ويفتح عليهم أبواب الحكمة لقوله تعالى: {وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن: 11] ، وقال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي} [الشورى: 52] ، وقوله تعالى: {وَيُزَكِّيهِمْ} ، فيه إشارة إلى أن تزكية أوصاف الخلق لا يمكن إلا بتحلية أخلاق الحق، وذلك أيضاً من أنوار وارد الفضل لقوله تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّْ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ} [النور: 21] .
{إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ} ، والعزيز هو المنيع الذي لا يهدي إليه إلا بهدايته ولا يوصل إليه إلا بجذبات عنايته {الحَكِيمُ} ، أي: ذو الحكمة يعني ليست الحكمة من صفات الخالق إنما هي من صفات الحق فمن لم يؤته الحكمة يكون على وصف جهولية {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} [الأحزاب: 72] .
ثم أخبر تعالى عن وصف من نبذ الملة وما فيه من العلة بقوله: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة: 130] ، إشارة إلى أنه من يرغب من ملة إبراهيم الروح وهي التوحيد بالكلية للحق، والتبرؤ عما سواه في تصحيح الخلة إلا النفس الأمارة التي من خصوصيتها الظلومية والجهولية فبجهلها لا يعرف قدر مقام الروح واختصاصه بالقرب واستحقاقه للخلة، ولا يعرف أيضاً خسته نفسها وعملها وضلالتها المذمومة، وإن هكلاها في هواها فترغب إلى متابعة هواها وتحصيل لذاتها وشهواتها وترغب عن مطاوعة الروح في طلب الحق {وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا} [البقرة: 130] ، على كل شيء خلقناه {وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [البقرة: 130] ، لقبول نور الله الذي هو مخصوص به من العالمين في قبوله وإلى هذا أشار بقوله {وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ} [الأحزاب: 72] ، فافهم جدّاً.