فكيف يجوز المعترض أن يقول: إن فكر المعاد أبدعه محمد؟ وإن هذا القول مستعان على إسرائه قلوب العامة مما يعلم منهم من الحرص على الحياة، وقد سبق محمد - صلى الله عليه وسلّم - إلى هذا من ذكرناه ممن لا يعد في أصحاب الشرائع وليس عند المعترض بموضع تهمة.
وقال هرقل العظيم من أهل أفيسيوس: إن السماء في النشأة الثانية تصير بلا كواكب لأن الكواكب فيها ذكر، تهبط سفلا حتى تحيط بالأرض، وتلتهب فيصير بعضها متصلاً ببعض حتى تكون كالدائرة حول الأرض، فكل نفس شريرة تبقى محيطة بها تلك النار وتصير الأنفس الزكية المطهرة إلى السماء وتكون سماؤهم سماء نورية أشرف من هذه، فيها آثار الباري - عز وجل - بلا متوسطات وهناك الصور والحسن المحض والقوة.
فقد أثبت هذا أيضاً النشأة الأخرى، وقد سمى الله - عز وجل - الحياة الآخرة بهذا الاسم في القرآن فقال: {وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى} .
وقوله: إن الكواكب تهبط سفلا، وهو عين ما ورد به القرآن من قوله عز وجل: {وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ} .
وقوله في النار التي تحيط بالأرض، قول الله عز وجل: {نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا}
وقوله في الأنفس الزكية أنها تصعد إلى السماء وسماؤهم أنور وأشرق من هذه، يدل على أن التي أشرق كواكبها تزول عنده فيضاهي ذلك ما في القرآن من قوله: {وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} .
وقال سقراط: فإن الذين مروا من قديم الدهر، إن الذي يصير إلى الآخرة من البقاء والأستبصار، فإنه ساكن الملائكة وعلى زرابيته الأكاليل، وإن الذين يمضون إلى الآخرة وليس عندهم نقاء فإنهم يكونون في الحمأة والبلاء، لم يكونوا أخساء ولا أرزال ولا جهال ولكن أهل فهم وعقل وفضل وجلالة، وأنا قد اجتهدت عند هذا كله في طلب الصواب وتيقنت تيقناً لا يتقدمه شيء إن مصيرى إذا أخرجت من هذه الدنيا إنا هو مؤول في غابة الجود والخير، ورؤية أقوام خيار، فلم أعسر على مختلف من أخلقه من إخواني وساداتي لما أرجو أني ألقى هناك إخواناً وسادت خياراً ليسوا بديلاً من هؤلاء.