فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 449296 من 466147

فقد أثبت سقراط أن ذكر الآخرة موجود سائر في الناس عند قديم الدهر، وإن الذين أخبروا بذلك كانوا أهل جلال وفضل وفهم، وذلك تكفيت للمعترضين في دعواه، إن أول من جاء بذلك نبينا - صلى الله عليه وسلّم - ها هنا ومما كتبناه من كلامه قبل هذا: إن أهل البقاء يصيرون إلى فوق وخلافهم يكونون في الحمأة والبلاء، موافق لما في القرآن من قول الله عز وجل: {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ} ، وقوله: {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ}

وقول سقراط: إن الحياة تذهب بهم إلى نهر يلتهب بنار عظيمة وتغل بماء وطين، يوافق بما جاء غير واحد من الصحابة في قوله: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} ، وأنها تحمي فتصير جهنم ويحبس فيها قوم من العصاة.

وقال بعضهم: سجرت أي سألت، فقد يجوز أن يحيي ويرسل فتصير أنهاراً جارية يغل بعضها بنار وبعضها بما وطين، وبالله التوفيق.

فإن قيل: كيف يجوز إثبات حكم عن سقراط ولم يكن مصدقاً بالرسل؟

قي: إنما حكينا عنه قوله، ويقال: إنه كذا وكذا، فإنه قد أثبت لهذا الخبر أنه سمع ما قال إنه ليس بذلك، إنما إدعاه المعترض من أول إبداع هذا الوعد، إنما كان نبينا - صلى الله عليه وسلّم - ، وإنه تنبه لما كان لا يجوز أن يثبته له، إلا الألوان من الدعاة إلى الله تعالى، إذ كانوا هم المتدئين للأمر بهت وكذب، وإن هذا مسموعاً متعالماً منذ قديم الدهر، ثم سواء كان سقراط مثبتاً لهذا الوعد مصدقاً لهذا القول، أو منكراً أياه ومكذباً به، وعلى أنه يمكن أن يكون مثبتاً له من جملة ما أخبرت به الرسل، وإن كان غير معترف برسالتهم لاستبصاره من دلائل العقل ما يوحيه في الجملة، فإن لم يكن فيها التفصيل الذي جاءت به الرسل والله أعلم.

وعلى أن سقراط فيما قيل من خبره كان مصدقاً بالرسل فيما خلا ثم صار إلى تكذيبهم، لا من حيث رأى: إنه لا يجوز أن يكون الله تعالى إلى خلقه رسول، ولكن لأمر يسير دخلت عليه الشبهة من قبله، وهو أنه كان صاحب جهد في استنباط العلوم التي كانوا يسمونها رياضية وطبيعية.

فلما شاهد الرسل أمل أن يجد عندهم من هذه العلوم ما يستغنى بها عن الجهد والطلب، وستبين له الحقائق وتزول عنه الخواطر والشكوك، فلما لم يجد عندهم منها شيئاً إستبعد أن يكون الرسول الموحى إليه في البعد من هذه المعلومات كالعامة، فصار ذلك سبباً لأتهامه إياهم، وجحده ثبوتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت