وفي نهاية السياق إقامة البرهان الملزم وانتزاع الاعتراف والتسليم ، {هُوَ الله الخالق البارئ المصور} [الحشر: 24] وهو أعظم دليل كما تقدم ، وهو كما قال: دليل الإلزام ، لأن الخلق لا بد لهم من خالق ، وهذه قضية منطقية مسلمة ، وهي أن كل موجود لا بد له من موجد ، وقد ألزمهم في قوله تعالى: {أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخالقون} [الطور: 35] ، وهذا بالسير ، والتقسيم أن يقال: إما خلقوا من غير شيء خلقهم أي من العدم ، ومعلوم أن العدم لا يخلق شيئاً لأن فاقد الشيء لا يعطيه ، والعدم ليس أمراً وجودياً حتى يمكن له أن يوجد موجوداً.
أم هم الخالقون؟
وهم أيضاً يعلمون من أنفسهم أنهم لم يخلقوا أنفسهم ، فيبقى المخلوق لا بد له من خالق ، وهو الله تعالى: الخالق البارئ.
ولو قيل من جانب المنكر: إن ما نشاهده من وجود الموجود كالإنسان والحيوان والنبات يتوقف وجوده على أسباب نشاهدها ، كالأوبين للحيوان وكالحرث والسقي للنبات إلخ ، فجاء قوله تعالى: {المصور} ، فهل الأبوان يملكان تصوير الجنين من جنس الذّكورة أوالأنوثة أو من جنس اللّون والطّول والقصر والشبه؟
الجواب: لا وكلا ، بل ذلك لله وحده ، هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ، كما قال تعالى: {لِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذكور أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} [الشورى: 49 - 50] .