وقوله: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ} [الحج: 2] . والذهول أخو النسيان ، وهو هنا عام في كل مرضعة {وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا} [الحج: 2] وهو أيضاً عام ، وذلك من شدة الهول يوم القيامة ، ولعل الحامل لهما على إيراد هذا الوجه مع بيان ضعفه ، هو فرارهم من نسبة الإنساء إلى الله ، وفيه شبهة العتزال كما لا يخفى.
ولوجود إسناد الإنساء إلى لاشيطان في بعض المواضع كما في قصة صاحب موسى: {وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان أَنْ أَذْكُرَهُ} [الكهف: 63] ، وكما في قوله تعالى: {وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشيطان فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذكرى مَعَ القوم الظالمين} [الأنعام: 68] ، وقوله: عن صاحب يوسف: {فَأَنْسَاهُ الشيطان ذِكْرَ رَبِّهِ} [يوسف: 42] .
ولكن الصحيح عند علماء السلف أن حقيقة النسيان والإنساء والتذكير كحقيقة أي معنى من المعاني ، وأنها كلها من الله {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ الله} [النساء: 78] ، {قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا} [التوبة: 51] فما نسب إلى الشيطان فهو بتسليط من الله كما في قوله تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المرء وَزَوْجِهِ} [البقرة: 102] ، ثم قال: {وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله} [البقرة: 102] فيكون إسناد الإنساء إلى الشيطان من باب قول الخليل عليه السلام {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80] تأدباً في الخطاب مع الله تعالى ، ولكن هذا المقام مقام إخبار من الله عما أوقعه بهؤلاء الذين نسوا ما أمرهم به فأنساهم ، فأوقع عليهم النسيان لأنفسم مجازاة لهم على أعمالهم ، فكان نسبته إلى الله وبإخبار من الله عين الحق وهو أقوى من أسلوب المقابلة: نسوا الله فنسيهم.
تنبيهان