وقد بين الشيخ - رحمة الله تعالى عليه - هذا النوع في دفع إياهم الاضطراب على الجواب عن الإشكال الموجود في نسيان آدم ، هل كان عن قصد أو عن غير قصد ، وإذا كان عن غير قصد ، فكيف يؤاخذ؟. وبين خصائص هذه الأمة في هذا الباب رحمة الله تعالى عليه ، فليرجع إليه.
وإذا تبين المراد بالتحذير من مشابهتهم في النسيان ، وتبين معنى النسيان ، فكيف أنساهم الله أنفسهم؟ وهذه مقتطفات من أقوال المفسرين في هذا المقام لزيادة البيان:
قال ابن كثير رحمه الله: لا تنسوا ذكر الله تعالى فينسيكم العمل الصالح ، فإن الجزاء من جنس العمل.
وقال القرطبي: نسوا الله أي تركوا أمره ، فأنساهم أنفسهم أن يعملوا لها خيراً.
وقال أبو حيان: الذين نسوا الله هم الكفار تركوا عبادة الله ، وامتثال ما أمر واجتناب ما نهى فأنساهم أنفسهم حيث لم يسعوا إليها في الخلاص من العذاب ، وهذا من المجازات على الذنب بالذنب. إلخ.
وقال ابن جرير: تركوا أداء حق الله الذي أوجبه عليهم ، وهذا من باب الجزاء من جنس العمل.
أما الزمخشري والفخر الرازي ، فقد أدخلا في هذا المعنى مبحثاً كلامياً حيث قالا في معنى {نَسُواْ اللَّهَ} [الحشر: 19] كما قال الجمهور ، أما في معنى {فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ} [الحشر: 19] فذكرا وجهين. الأول: كالجمهور ، والثاني: بمعنى ، أراهم يوم القيامة من الأهوال ما نسوا فيه أنفسهم كقوله تعالى: {لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ} [إبراهيم: 43] ، وقوله: {وَتَرَى الناس سكارى وَمَا هُم بسكارى} [الحج: 2] اهـ.
وهذا الوجه الثاني لا يسلم لهما ، لأن ما ذهبا إليه عام في جميع الخلائق يوم القيامة ، وليس خاصاً بما نسي الله كما قال تعالى في نفس الآية التي استدلا بها {وَتَرَى الناس سكارى} ، فهو عام في جميع الناس.