فإذا ألق كان لمجرد الجمع كما في الأمثلة المتقدمة ، وعليه فيكون المراد بقوله تعالى: {لأَوَّلِ الحشر} ، أن الراجح فيه لأول الجمع ، وتكون الأولية زمانية وفعلاً ، فقد كان أول جمع لليهود ، وقد أعقبه جمع آخر لإخوانهم بني قريظة بعد عام واحد ، وأعقبه جمع آخر في خيبر ، وقد قدمنا ربط إخراج بني النضير من ديارهم بإنزال بني قريظة من صياصيهم ، وهكذا ربط جمع هؤلاء بأولئك إلا أن هؤلاء أجلوا وأخرجوا ، وأولئك قتلوا واسترقوا.
تنبيه
وكون الحشر بمعنى الجمع لا يتنافى مع كون خروجهم كان إلى أوائل الشام ، لأن الغرض الأول جمعهم للخروج من المدينة ، ثم يتوجهون بعد ذلك إلى الشام أو إلى غيرها.
وقد استدل بعض العلماء على أن توجههم كان إلى الشام من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَآ الذين أُوتُواْ الكتاب آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا على أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَابَ السبت وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً} [النساء: 47] ، لأن السياق في أهل الكتاب ، والتعريض بأصحاب السب ألصق بهم.
فقال بعض المفسرين: الوجوه هنا هي سكناهم بالمدينة ، وطمسها تغير معالمها ، وردهم على أدبارهم. أي إلى بلاد الشام التي جاءوا منها أولاً حينما خرجوا من الشام إلى المدينة ، انتظراً لمحمد صلى الله عليهوسلم. حكاه أبو حيان وحسنه الزمخشري.
قوله تعالى: {فَأَتَاهُمُ الله مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ} .
أتى: تأتي لعدة معان ، منها بمعنى المجيء ، ومنها بمعنى الإنذار ، ومنها بمعنى المداهمة.
وقد توهم الرازي أنها من باب الصفات ، فقال: المسألة الثانية قوله: {فَأَتَاهُمُ الله} ، لا يمكنهم إجراؤه على ظاهره باتفاق جمهور العقلاء ، فدل على أن باب التأويل مفتوح ، وإن صرف الآيات عن ظواهرها بمقتضى الدلائل العقلية جائز اهـ.