ثم علل هذا التقسيم بقوله: {كَيْ لَا يَكُونَ} الفيء، {دُولَةً} : علة لمحذوف، تقديره: أي جعل الله سبحانه الفيء قسمة لمن ذكر من الأصناف؛ لأجل أن لا يكون الفيء شيئًا متداولًا {بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} ؛ أي: شيئًا مخصوصًا بهم يكاثرون به أموالهم، لا يخرجونه إلى المستحقين، ولا يصرفونه للفقراء والمساكين يعيشون بها.
وقرأ الجمهور: {كَيْ لَا يَكُونَ} بالياء التحتية. {دُولَةً} - بضم الدال ونصب التاء - ؛ أي: كي لا يكون الفيء دولة. وقال الخطيب: وترسم {كي} هنا مفصولة من {لا} انتهى. وقرأ عبد الله، وأبو جعفر، وهشام، والأعرج، وأبو حيوة {تكون} بالتاء الفوقية، و {دَولة} بفتح الدال ورفع التاء. قال عيسى بن عمر، ويونس، والأصمعي، {دولة} بضمها وفتحها، لغتان بمعنى واحد. وقال أبو عمرو بن العلاء: الدولة - بالفتح -: الذي يتداول من الأموال، وبالضم: الفعل.
وكذا قال أبو عبيدة. وال الكسائي، وحذاق البصرة: الدَّولة - بالفتح - في المُلك - بضم الميم - ؛ لأنها الفِعْلة في الدهر، وبالضم في الملك بكسرِ الميمِ. والضمير في {تكون} بالتأنيث مع نصب {دولةً} على معنى {مَا} إذ المراد به: الأموال، والمغانم. وذلك الضمير اسم {تكون} . وكذلك من قرأ بالياء أعاد الضمير على لفظ؛ {مَّا} أي: يكون الفيء، وانتصب {دُولَة} على الخبر. ومن رفع {دولةٌ} فتكون تامة، و {دولةٌ} فاعل؛ و {كَيْ لَا يَكُونَ} تعليل لقوله: {فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} . أي: فالفيء وحكمه لله وللرسول، يقسمه على ما أمره الله تعالى؛ كي لا يكون الفيء الذي حقه أن يعطى للفقراء بلغة يعيشون بها متداولًا بين الأغنياء يتكاثرون به. أو كيلا يكون دولة جاهلية بينهم، كما كان رؤساؤهم يستأثرون بالغنائم، ويقولون: من عزّ بزّ.
والمعنى: كي لا يكون أخذه غلبة وأثرة جاهلية، قاله أبو حيان. وعبارة"الخازن": وذلك أن الجاهلة كانوا إذا غنموا غنيمة، أخذ الرئيس ربعها لنفسه وهو المرباع، ثم يصطفي بعد المرباع منها ما شاء، فجعله الله سبحانه لرسوله - صلى الله عليه وسلم - يقسمه على ما أمره الله به. اهـ.