وقرأ الجمهور: {قَائِمَةً} أنث قائمة، والضمير في {تَرَكْتُمُوهَا} على معنى {مَا} وقرأ عبد الله والأعمش وزيد بن علي {قومًا} بفتحتين على وزن فعل، جمع قائم، وقرئ {قائمًا} اسم فاعل، فذكر على لفظ {مَا} وقرأ الجمهور {عَلَى أُصُولِهَا} بالجمع، وقرئ {على} أصلها بغير واو على الإفراد.
و {اللام} : في قوله: {وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} علة لمحذوف، و {الواو} : عاطفة على علة محذوفة، والتقدير: أذن في قطعها ليسر المؤمنين ويعزهم، ويخزي الفاسقين، أي: وليذل اليهود الخارجين عن دائرة الإِسلام؛ لأنهم إذا رأوا المؤمنين يتحكمون في أموالهم كيف أحبوا، ويتصرفون فيها حسبما شاؤوا من القطع والترك .. يزدادون غيظًا ويتضاعفون حسرة.
وتخصيص اللينة بالقطع إن كانت من الألوان .. ليستبقوا لأنفسهم العجوة والبرنية هما كرام النخل، وإن كانت هي الكرام .. ليكون غيظهم أشد.
ويقال: إن العتيق والعجوة كانتا مع نوح في السفينة. والعتيق الفحل، وكانت العجوة أصل الإناث كلها. فلذا شق على اليهود قطعها، وظهر من هذا أن اللون هو ما عدا العجوة، والبرني من أنواع التمر بالمدينة. ومن أنواع التمر بالمدينة: الصيحاني. وفي"شرح مسلم"للنواوي: أنواع التمر مائة وعشرون. وفي"تاريخ المدينة الكبير"للسيد السمنودي: أن أنواع التمر بالمدينة التي أمكن جمعها بلغت مائة، وبضعًا وثلاثين. ويوافقه قول بعضهم: اختبرناها فوجدنا أكثر مما ذكره النواوي، قال: ولعل ما زاد على ما ذكر حدث بعد ذلك، وأما أنواع التمر بغير المدينة، كالمغرب .. فلا تكاد تنحصر. وكانت العجوة خير أموال بني النضير؛ لأنهم كانوا يقتاتونها، ولما قطعت العجوة .. شق النساء الجيوب، وضربن الخدود، ودعون بالويل كما في"إنسان العيون".
واستدل بهذه الآية على جواز هدم ديار الكفرة، وقطع أشجارهم مثمرة كانت أو غير مثمرة، وإحراق زروعهم زيادة لغيظهم، وعلى جواز الاجتهاد وعلى تصويب المجتهدين. والكلام فيه مبسوط في كتب الأصول.
والمعنى: وقد أذن الله في ذلك ليعز المؤمنين، وليخزي الفاسقين ويذلهم، ويزيد غيظهم، ويضاعف حسرتهم بنفاذ حكم أعدائهم في أعز أموالهم.