ذكر المعتزلة:
قوله: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ)
حجة على المعتزلة ، والقدرية واضحة.
فإن زعموا: أن تحبيبه إليهم مدحه ، وتكريهه إليهم ذمه.
قيل: قد يمدح الشيء ، بغاية المدح ولا يحب ، ويذم بغاية الذم ولا
يكره ، لأن الحب ، والكراهة فعلان من أفعال القلب ينبو عما يكره ،
وينطوي على ما يحب ، وربما كان ما ينبو عنه ممدوحًا عند غيره ، وما يحبه
مكروهًا عند غيره ، ولو كان كذلك لكان - والله أعلم -"ولكن اللَّه مدح الإيمان وحسنه ، وقبح الكفر وذمه"ولا يكون حبَّب إلا حمل
القلب عليه ، ولا كرَّه إلا باعد منه القلب.
فإذا كان المؤمن محببًا إليه الإيمان ، وهو لا يقدر على المسابقة إليه إلا
بتحبيب ربِّه إياه إليه ، ولا يقدر على ترك الفسوق ، والعصيان إلا
بتكريهه إياه إليه ، وقد خص بهذا المؤمن دون الكافر ، علمنا أن
الذي أقعد الكافر عما نهض به المؤمن عدم ما جاد الله به على المؤمن
من هذين المعنيين من التحبيب والتكريه ، ولا يخلو من أن يكون قادرًا
على الإتيان بالإيمان ، واجتناب الفسوق والعصيان
باستطاعته ، أو لا يقدر إلا بما ذكره الله من التحبيب والتكريه ، فإن
كان قادرًا - كما يزعمون - فلا معنى للاعتداد عليه بما لا منة فيه ،
وجل الله عن ذلك ، بل يقول - فِي آخر السورة -: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(17) ،
وإن لم يكن قادرًا عليه إلا بهما فقد علمنا أن الكافر - أيضاً - لم يقدر عليه لما حُرِمَ منهما ،
فالمؤمن هاد بتوفيق الله ، والكافر ضال بخذلان الله إياه ، فليلتزموه
إذ لا ثالث لهما.
تفسير قول النبي صلى الله عليه وسلم: (سباب المسلم فسوق: