اللَّطِيفَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ: (بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ) يَعْنِي لَا مِنَّةَ لَكُمْ وَمَعَ ذَلِكَ لَا تُسْلِمُونَ رَأْسًا بِرَأْسٍ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ لَكُمْ عَلَيْنَا وَلَا لَنَا عَلَيْكُمْ مِنَّةٌ، بَلِ الْمِنَّةُ عَلَيْكُمْ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ) حُسْنُ أَدَبٍ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ بَلْ لِيَ الْمِنَّةُ عَلَيْكُمْ حَيْثُ بَيَّنَتْ لَكُمُ الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ، ثُمَّ فِي مُقَابَلَةِ هَذَا الْأَدَبِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) [الشُّورَى: 52] .
اللَّطِيفَةُ الرَّابِعَةُ: لَمْ يَقُلْ: يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ أَسْلَمْتُمْ بَلْ قَالَ: (أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ) لِأَنَّ إِسْلَامَهُمْ كَانَ ضَلَالًا حَيْثُ كَانَ نِفَاقًا فَمَا مَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ.
«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِالْهِدَايَةِ إِلَى الْإِيمَانِ مَعَ أَنَّهُ بَيَّنَ أَنَّهُمْ لَمْ يُؤْمِنُوا؟
نَقُولُ الْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَقُلْ: بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ رَزَقَكُمُ الْإِيمَانَ، بَلْ قَالَ: (أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ) وَإِرْسَالُ الرُّسُلِ بِالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ هِدَايَةٌ.
ثَانِيهَا: هُوَ أَنَّهُ تَعَالَى يَمُنُّ عَلَيْهِمْ بِمَا زَعَمُوا، فَكَأَنَّهُ قَالَ أَنْتُمْ قُلْتُمْ آمَنَّا، فَذَلِكَ نِعْمَةٌ فِي حَقِّكُمْ حَيْثُ تَخَلَّصْتُمْ مِنَ النَّارِ، فَقَالَ هُدَاكُمْ فِي زَعْمِكُمْ.
ثَالِثُهَا: وَهُوَ الْأَصَحُّ، هُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ شَرْطًا فقال: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. انتهى انتهى {مفاتيح الغيب} .