وأخرج أبو داود عن أنس قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم ولحومهم وصدورهم ، فقلت من هؤلاء يا جبريل ؟
قال هؤلاء الّذين يأكلون لحوم النّاس ويقعون في أعراضهم.
هذا ، وما ورد: احترسوا على أموالكم بسوء الظّن ، وإن سوء الظّن من أزكى الفطن ، هذا مما يعود لنفس الظّان ، لأن من يريد أن يدين أحدا دينا أو يزوجه بنتا أو يعقد معه عقدا فله التبصر بحاله.
قال تعالى (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ) الآية الخامسة من سورة النساء المارة ، فراجعها ففيها ما تريده في هذا البحث ، ومن أين يعرف السّفيه من غيره إذا لم يحصل له الظّن الموجب للتحقيق عن حاله فهذا من الظّن الجائز حفظا لنفس الرّجل وماله من أن يقع بغير موضعه ، وبنت الرّجل من ماله ووضعها عند من يكرمها خير من وضع المال عند من يرده ، وقد ورد: النكاح رق فلينظر أحدكم أين يضع كريمته.
فيكون التبصر بشأنها ألزم من غيره ، وكذلك يجوز التجسس لمعرفة حال من يريد أن يدينه أو يزوجه ، وأحسن أنواع التجسس هو ما يعود لحفظ جيش المسلمين من العدو والتوصل لمباغتة داره وجنده ، لأن حضرة الرّسول كان يرسل العيون في الغزوات ويقول الحرب خدعة ، وأقبحه من يتجسس على المسلمين ليوصل أخبارهم لعدوهم فهذا ممن يخون الله ورسوله والمسلمين اجمع ، وكذلك يجوز غيبة الفاسق المجاهر بفسقه بقصد ردعه وعدم اغترار النّاس فيه لما جاء في الحديث الصّحيح: أذكروا الفاجر بما فيه يحذره النّاس.