هذا إعلامٌ أن أمرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - ينبغي أن يُجَلَّ وُيعَظَّمَ غايَة الِإجْلَالِ.
وأنه قد يُفعل الشيءُ مما لا يَشْعَرُ به من أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فيكون ذلك مُهلكاً لِفَاعِلِه أو لِقَائِله.
ولذلك قال بعض الفقهاء: من قال إدْ زِرَّ رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وسخ يريد به - النقصَ منه وجب قتْلُه.
هذا مذهبُ مالِكٍ وأصْحَابه.
وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ(3)
(امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ)
أخلَصَ قلُوبَهمْ.
وَ"هُمْ"يخرج على تفسير حقيقة اللغة، والمعنى
اختبر اللَّه قُلُوبَهم فَوَجَدَهُمْ مُخْلِصِين - كما تقول: قد امتحنت هذا الذهب
وهذه الفضة. تأويله قد اختبرْتُهُمَا بأن أذَبْتُهَمَا حتى خلصت الذهَب والْفضة
فَعَلِمْتُ حَقِيقَةَ كل واحد منهما.
وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ(4)
يقرأ بضم الحاء والجيم، والحُجَرَاتَ بِفَتْح الجيم، ويجوز في اللغة
الحُجْرات. بتسكين الجيم - ولا أعلم أحَداً قَرأ بالتَسْكِينِ وَقَدْ فَسًرْنَا هذا
الجمع فيما تقدم من الكتاب.
وواحد الحجرات حُجْرَةٌ. ويجوز أن تكون الحُجراتُ جمع حُجَرٍ
وحُجرات، والأجود أن تكون الحُجُرَات جمع حُجرة، وأن الفتح جاز بدلاً من الصفةِ لثقل الضمَتَيْن.
وهؤلاء قوم جاءوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من بني تميم فَنَادَوْه من وراء الحجرات.
ولهم في التفسير حديث فيه طول، وجملته أنهم جاءوا يفاخرون
النبي وأنَّهمْ لم يلقَوْه بما يجب له عليه السلام.