ثم نسخ هذا التحريم فأباح له أن يتزوّج بمن شاء عليهن من النساء ، والدليل عليه قوله تعالى: {إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ} والإحلال يقتضي تقدّم حَظْر.
وزوجاته اللاتي في حياته لم يكنّ محرمات عليه ، وإنما كان حرم عليه التزويج بالأجنبيات فانصرف الإحلال إليهن ، ولأنه قال في سياق الآية {وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ} الآية.
ومعلوم أنه لم يكن تحته أحد من بنات عمه ولا من بنات عماته ولا من بنات خاله ولا من بنات خالاته ، فثبت أنه أحلّ له التزويج بهذا ابتداء.
وهذه الآية وإن كانت مقدمة في التلاوة فهي متأخرة النزول على الآية المنسوخة بها ، كآيتي الوفاة في"البقرة".
وقد اختلف الناس في تأويل قوله تعالى: {إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ} فقيل: المراد بها أن الله تعالى أحلّ له أن يتزوّج كل امرأة يؤتيها مهرها ، قاله ابن زيد والضحاك.
فعلى هذا تكون الآية مبيحة جميع النساء حاشا ذوات المحارم.
وقيل: المراد أحلَلْنا لك أزواجك ، أي الكائنات عندك ، لأنهن قد اخترنك على الدنيا والآخرة ، قاله الجمهور من العلماء.
وهو الظاهر ، لأن قوله: {آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} ماضٍ ، ولا يكون الفعل الماضي بمعنى الاستقبال إلا بشروط.
ويجيء الأمر على هذا التأويل ضيّقاً على النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ويؤيد هذا التأويل ما قاله ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزوج في أيّ الناس شاء ، وكان يشقّ ذلك على نسائه ، فلما نزلت هذه الآية وحرم عليه بها النساء إلا مَن سُمِّيَ ، سُرّ نساؤه بذلك.
قلت: والقول الأوّل أصح لما ذكرناه.
ويدلّ أيضاً على صحته ما خرّجه الترمذيّ عن عطاء قال: قالت عائشة رضي الله عنها: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحلّ الله تعالى له النساء.
قال: هذا حديث حسن صحيح.