ثم قال تعالى: {وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ} ، أي: مما أحل لك من الغنائم، {وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ} ، أي: اللاتي دخلن في الإسلام وهاجرن معك إلى المدينة، {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} ، أي: عرضت نفسها للزواج به دون مهر، {إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا} ، أي إن أراد الزواج بها، وقد كانت إباحة الزواج على هذه الصفة من خصائص الرسول وحده، إذ لا يصح زواج أحد من أمته إلا بمهر، ولبيان الصفة الاستثنائية لهذه الحالة من الزواج قال تعالى هنا في نفس السياق: {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} ، إذ الرسول وأمته سواء في الأحكام، إلا فيما خصه الدليل، لكن الرسول عليه السلام بالرغم من إباحة الزواج بالهبة له خاصة لم يتزوج إلا بمهر، لأن اختيار هذا النوع من الزواج علقته الآية الكريمة على رغبته وإرادته: إِنْ أَرَادَ
النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا، فلم يكن إذن ملزما بقبول الهبة، وقد روى عن ابن عباس ومجاهد أنهما قالا: (لم يكن عند النبي صلى الله عليه وسلم امرأة موهوبة) .
وبادر كتاب الله إلى التنبيه في هذا السياق على أن تخصيص الرسول ببعض الأحكام يقتضي قصرها عليه، وعدم السماح بتطبيقها على كافة المؤمنين، فلا بد أن يقفوا عندما حد لهم الشارع من شروط وقيود، سبق علم الله بها، وقضاؤه بحكمها، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى في جملة اعتراضية: {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ} ، أي: على المؤمنين، {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} ، وعقب كتاب الله على ما خص به نبيه فقال: {لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} .