البقرة (237) : {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} .
أما (المتعة) بالنسبة لمن كان نكاحها نكاح (تفويض) لأنه لم يسم صداقها قبل الطلاق، فيراعى في قدرها حال الزوج المفارق، مصداقا لقوله تعالى في نفس السورة (36: 2) : {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} .
وأما الزوجة التي تم العقد عليها ثم مات عنها زوجها قبل الدخول، فلا بد لها من أن تعتد منه أربعة أشهر وعشرا، وهي في ذلك سواء مع الزوجة التي مات عنها زوجها بعد الدخول، مصداقا لقوله تعالى فيما سبق من سورة البقرة (234) {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} .
والحكمة في ذلك بالنسبة لمن مات عنها زوجها قبل الدخول إشعار الزوجة المتوفي عنها زوجها بأن اختياره لها، وتعلق قلبه بها، وحرصه على تكوين أسرة معها، ومفاجأته بالموت قبل تحقيق أمنيته، كل ذلك يستحق من جانبها تقدير فقده واحترام ذكراه، وعدم التسرع في الزواج بغيره في الحين، فالزواج تحيط به اعتبارات إنسانية وأخلاقية متعددة، وليس عقدا ماديا صرفا.
وخصص كتاب الله الآية الثانية من هذا الربع للحديث عما
أحل الله لرسوله من الزواج، فقال تعالى مخاطبا نبيه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} ، وأطلق لفظ (الأجور) هنا على نفس (المهور) تجوزا وتوسعا، وإن كان الصداق والمهر ليس بأجرة، وعقد الزواج ليس عقد إجارة، وإنما قال تعالى: {اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} ، إشارة إلى أن سوق المهر إلى الزوجة عند العقد عليها والدخول بها أفضل من تسميته وتأجيله، فاختار الله لرسوله الأفضل والأولى، قال جار الله الزمخشري: (وكان التعجيل- أي: بالمهر- ديدن السلف وسنتهم، وما يعرف بينهم غيره) .