اعْلَمْ وَفَّقَكَ اللَّهُ أَنَّ الْبَصَرَ صَاحِبُ خَبَرِ الْقَلْبِ يَنْقُلُ إِلَيْهِ أَخْبَارَ الْمُبْصَرَاتِ وَيَنْقُشُ فِيهِ صُوَرَهَا فَيَجُولُ فِيهَا الْفِكْرُ فَيَشْغَلُهُ ذَلِكَ عَنِ الْفِكْرِ فِيمَا يَنْفَعُهُ مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ.
وَلَمَّا كَانَ إِطْلاقُ الْبَصَرِ سَبَبًا لِوُقُوعِ الْهَوَى فِي الْقَلْبِ أَمَرَكَ الشَّرْعُ بِغَضِّ الْبَصَرِ عَمَّا يُخَافُ عَوَاقِبَهُ فَإِذَا تَعَرَّضْتَ بِالتَّخْلِيطِ وَقَدْ أُمِرْتَ بِالْحَمِيَّةِ فَوَقَعْتَ إِذًا فِي أَذًى فَلِمَ تُضَجُّ مِنْ أَلِيمِ الأَلَمِ.
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {قُلْ للْمُؤْمِنين يغضوا من أَبْصَارهم} {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ}
ثُمَّ أَشَارَ إِلَى مُسَبِّبِ هَذَا السَّبَب وَنبهَ على مَا يَئُول إِلَيْهِ هَذَا الشَّرُّ بِقَوْلِهِ {وَيَحْفَظُوا فروجهم} {ويحفظن فروجهن}
قَالَ فَتْحُ بْنُ شَخْرَفَ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ ابْن خُبَيْقٍ يَا خُرَاسَانِيُّ إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعٌ لَا غَيْرَ عَيْنُكَ وَلِسَانُكَ وَقَلْبُكَ وَهَوَاكَ فَانْظُرْ عَيْنَكَ لَا تَنْظُرُ بِهَا إِلَى مَا لَا يَحِلُّ وَانْظُرْ لِسَانَكَ لَا تَقُلْ بِهِ شَيْئًا يَعْلَمُ اللَّهُ خِلافَهُ مِنْ قَلْبِكَ وَانْظُرْ قَلْبَكَ لَا يَكُونُ فِيهِ غِلٌّ وَلا حِقْدٌ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَانْظُرْ هَوَاكَ لَا تَهْوَ شَيْئًا مِنَ الشَّرِّ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيكَ هَذِهِ الأَرْبَعُ خِصَالٍ فَاجْعَلِ الرَّمَادَ عَلَى رَأْسِكَ فَقَدْ شَقِيتَ.
قَالَ الْجُنَيْدُ: اصْرِفْ هَمَّكَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِيَّاكَ أَنْ تَنْظُرَ بِالْعَيْنِ الَّتِي بِهَا تُشَاهِدُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَتَسْقُطَ مِنْ عَيْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
قَالَ الْحَسَنُ مَنْ أَطْلَقَ طَرْفَهُ طَالَ أَسَفُهُ.
قَالَ ذُو النُّونِ اللَّحَظَاتُ تُورِثُ الْحَسَرَاتِ أَوَّلُهَا أَسَفٌ وَآخِرُهَا تَلَفٌ، فَمَنْ تَابَعَ طَرْفَهُ تَابَعَ حَتْفَهُ.
قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ أَوَّلُ الْعِشْقِ النَّظَرُ وَأَوَّلُ الْحَرِيقِ الشَّرَرُ.