ذلك ليطمئن كل إنسان على أن مَنْ يليه في الخلافة من أبناء أو أو أحفاد إنما جاءوا من طريق شرعيٍّ شريف ، فيجتهد كل إنسان في أن يُنشِّيء أطفاله تنشئةً فيها شفقة ، فيها حنان ورحمة ؛ لأنه واثق أنه ولده ، ليس مدسوساً علي ، وأغلب الظن أن الذين يُهملون أطفالهم ولا يُراعون مصالحهم يشكُّون في نسبهم إليهم .
ولا يصل المجتمع إلى هذا الطُّهْر إلا إذا ضمنتَ له الصيانة الكافية ، لئلا تشرد منه غرائز الجنس ، فيعتدي كل نظر على مَا لا يحلّ له ؛ لأن النظر بريد إلى القلوب ، والقلوب بريد إلى الجنس ، فلا يعفّ الفرج إلا بعفاف النظر .
ونلحظ في قوله تعالى: {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ . .} [النور: 30] دقة بلاغ الرسول عن ربه - عز وجل - وأمانته في نقل العبارة كما أُنزِلَتْ عليه ، ففي هذه الآية كان يكفي أن يقول رسول الله: غُضُّوا أبصاركم ، لكنه التزم بنص ما أُنزِل عليه ؛ لأن القرآن لم ينزل للأحكام فقط ، وإنما القرآن هو كلام الله المنزّل على رسوله والذي يُتعبَّد بتلاوته ، فلا بُدَّ أنْ يُبلّغه الرسول كما جاءه من ربه .
لذلك قال في البلاغ عن الله (قُلْ) وفي الفعل (يَغضُّوا) دلالةً على ملحظية (قل) ، فالفعل (يغضوا) مضارع لم تسبقه أداة جزم ، ومع ذلك حُذِفت منه النون ، ذلك لأنه جعل (قُلْ) ملحظية في الأسلوب .
والمعنى: إنْ تقُل لهم غُضُّوا أبصاركم يغضُّوا ، فالفعل - إذن - مجزوم في جواب الأمر (قُلْ) .
إذن {قُلْ . .} [النور: 30] تدل على أمانة الرسول في البلاغ ، وعلى أن القرآن ما نزل للأحكام فحسب ، إنما هو أيضاً كلام الله المعجز ؛ لذلك نحافظ عليه وعلى كل لفظة فيه ، وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما أتيتُ لكم بشيء من عندي ، ومهمتي أن أبلغكم ما قاله الله لي .